علماء روس يستخدمون المغناطيس لتنشيط خلايا الدماغ دون الحاجة لغرس أجهزة
20:53 GMT 15.10.2026 (تم التحديث: 20:54 GMT 15.10.2026)
تابعنا عبر
طوّر باحثون في روسيا جسيمات مجهرية تحوّل المجالات المغناطيسية الخارجية إلى إشارات كهربائية، مما أتاح تحفيز الخلايا العصبية بنجاح في تجارب مخبرية.
تعتمد إحدى الطرق الراسخة -وهي التحفيز العميق للدماغ- على زرع أقطاب كهربائية جراحياً لتوصيل نبضات كهربائية مضبوطة إلى مناطق محددة في الدماغ. ورغم أن هذه الطريقة تساعد المرضى الذين يعانون من حالات مثل مرض باركنسون، إلا أنها تتطلب إجراء عملية جراحية وتنطوي على مخاطر مرتبطة بالأجهزة المزروعة.
ولكن، ماذا لو تمكن العلماء من تحفيز الخلايا العصبية دون ترك أقطاب كهربائية داخل الدماغ؟
يعكف فريق بحثي -بقيادة علماء من جامعة تومسك بوليتكنيك - على دراسة هذه الإمكانية تحديداً. فوفقاً لما أوردته "لوابة روسيا العلمية"، طوّر الفريق جسيمات نانوية تستجيب للمجالات المغناطيسية الخارجية وتولّد تأثيرات كهربائية دقيقة بالقرب من الخلايا العصبية.
كيف يمكن للمجال المغناطيسي تنشيط الخلية العصبية
تعتمد هذه التقنية على جسيمات يبلغ قطرها حوالي 22 نانومتراً، أي أنها أصغر بآلاف المرات من سُمك شعرة الإنسان. يتكون كل جسيم من عنصرين مصممين بدقة: قلب مغناطيسي مصنوع من "فيريت المنجنيز"، وغلاف خارجي رقيق للغاية مصنوع من شكل معدّل من "تيتانات الباريوم"، ويكمن السر في التفاعل بين هذين المكونين.
عندما يُعرّض الباحثون الجسيمات لمجال مغناطيسي متناوب، يتغير شكل القلب المغناطيسي قليلاً، وتؤدي هذه الحركة إلى الضغط على الغلاف الخارجي الذي ينتمي إلى فئة من المواد تُعرف بـ "المواد الكهرضغطية" (piezoelectrics)؛ وهي مواد قادرة على توليد استجابة كهربائية عند تعرضها لتشوه ميكانيكي.
والنتيجة هي محوّل دقيق يحوّل التحفيز المغناطيسي إلى إشارة كهربائية موضعية. يمكن لهذه الإشارة أن تؤثر على قنوات الكالسيوم في الخلايا العصبية المجاورة؛ إذ تعمل أيونات الكالسيوم كرسائل بيولوجية حيوية تساعد الخلايا العصبية على التواصل وتنظيم العديد من العمليات الداخلية، وفي التجارب، أثبت الباحثون أن هذه الجسيمات النانوية قادرة على زيادة تدفق الكالسيوم إلى داخل الخلايا العصبية عند تطبيق تحفيز مغناطيسي مضبوط.
استجابة أقوى بثلاثة أضعاف... ومسار مفاجئ إلى الدماغ
اكتشف الفريق أيضاً أن تغييرات طفيفة في كيفية تصنيع الجسيمات يمكن أن تُحدث فرقاً جوهرياً، ومن خلال تحسين عملية تصنيع تعتمد على الماء، أنتج الباحثون جسيمات ذات غلاف خارجي أكثر فعالية، وقد ولّد الإصدار الأفضل أداءً -الذي صُنّع عند درجة حرارة 185 مئوية- استجابة كالسيوم تزيد عن ثلاثة أضعاف تلك التي أحدثتها الجسيمات المصنعة عند 225 مئوية في الخلايا العصبية المستزرعة، كما أدى ذلك إلى زيادة نسبة الخلايا العصبية المُحفَّزة بنحو 20% مقارنةً بمجموعة المقارنة.
وتُظهر هذه النتائج كيف يمكن لتحسين المادة نفسها أن يزيد من كفاءة التحفيز دون الحاجة إلى مجالات مغناطيسية أقوى، لكن الباحثين استكشفوا أيضاً احتمالاً آخر مثيراً للاهتمام: وهو إيصال هذه الجسيمات عبر الأنف، فقد قام العلماء بإعطاء جسيمات نانوية عبر الأنف لفئران، وتتبعوا حركتها على طول المسارات العصبية وصولاً إلى الدماغ، ومع استخدام التحفيز المغناطيسي، عزز النظام نقل بروتين اختباري (موسوم بصبغة فلورية) من التجويف الأنفي إلى داخل الدماغ.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها نظراً لأن الدماغ محمي بـ "الحاجز الدموي الدماغي"، الذي يمنع العديد من المواد الموجودة في الدورة الدموية من الدخول إلى أنسجة الدماغ، وقد توفر مسارات معينة تربط بين الأنف والدماغ طرقاً بديلة لإيصال جزيئات علاجية مختارة.
هل يمكن أن يساعد هذا المرضى مستقبلاً؟
يرى الباحثون إمكانية تطبيق هذه التقنية في مجالات إعادة التأهيل من إصابات الأعصاب، وعلاج الألم المزمن، ومرض باركنسون، ومرض ألزهايمر، والاكتئاب، كما قد تدعم التقنية الأساسية ذاتها -في المستقبل- عمليات التوصيل الموجه للأدوية أو الواجهات العصبية اللاسلكية.
إن تجنب استخدام الأقطاب الكهربائية المزروعة لا يعني تلقائياً أن إدخال الجسيمات النانوية إلى الجهاز العصبي خالٍ من المخاطر، ووفقاً للباحثين، قد يستغرق الأمر ما بين خمس إلى عشر سنوات للوصول حتى إلى مرحلة الدراسات السريرية الأولى على البشر، وذلك في ظل افتراضات متفائلة.
وفي الوقت الراهن، يُعد هذا الإنجاز برهاناً على مبدأ علمي قوي، وهو أن المواد المتناهية الصغر -التي تتيح لها أبعادها التفاعل مع الخلايا الفردية- قادرة على تحويل الإشارة المغناطيسية الخارجية إلى استجابة بيولوجية.
المصدر: | بوابة روسيا العلمية |



