علماء روس يبتكرون مجسات فائقة الحساسية

© Sputnik
تابعنا عبر
طور باحثون في روسيا مجسات فائقة التوصيل قادرة على الاستجابة لإشعاعات ضعيفة للغاية، مما يفتح آفاقًا جديدة لدراسة المجرات البعيدة، والكشف عن الجسيمات المراوغة، وتحسين إجراءات الفحص الأمني، ويمكن لهذه التقنية أيضًا أن تدعم التصوير الطبي، والرصد البيئي، والحواسيب الكمومية.
ماذا لو استطاع جهاز ما رصد أضعف آثار الطاقة القادمة من أعماق الفضاء، أو تحديد الفروق الدقيقة في الإشعاع المنبعث من الأجسام التي لا تستطيع الكاميرات العادية رصدها؟
يعمل علماء في جامعة موسكو الوطنية للعلوم والتكنولوجيا (MISIS) على تطوير تقنية مصممة خصيصًا لهذا الغرض.
قدّم الفيزيائي سيرجي شيتوف، خلال فعالية علمية نظمتها شركة روساتوم في أكتوبر 2026، مجسات تجريبية تستغل ظاهرة فيزيائية استثنائية: تصبح بعض المواد شديدة الحساسية للحرارة عند تبريدها إلى ما يقارب الصفر المطلق، لدرجة أن إشارة ضعيفة للغاية قادرة على تغيير سلوكها الكهربائي بشكل ملحوظ.
كيف يمكن لشيء بارد جدًا أن يرصد كميات ضئيلة من الحرارة؟
تُعرف هذه التقنية باسم RFTES، اختصارًا لـ مجس حافة الانتقال بترددات الراديو. مكونها الأساسي هو جسر فائق التوصيل مجهري.
تتميز المواد فائقة التوصيل بقدرتها على توصيل الكهرباء دون مقاومة كهربائية عادية عند تبريدها بدرجة كافية، لكن بالقرب من درجة الحرارة التي تختفي عندها خاصية التوصيل الفائق، حتى ارتفاع طفيف في درجة الحرارة يمكن أن يُحدث تغييرًا قابلًا للقياس في الخصائص الكهربائية.
يستغل الباحثون هذه الحساسية بتوجيه الإشعاع الكهرومغناطيسي الوارد عبر هوائي مصغر نحو البنية فائقة التوصيل.عندما يُودع الإشعاع طاقة، فإنه يُسخن المادة قليلًا، مما يُغير استجابتها الكهربائية. يرصد رنان متصل هذا التغيير، مما يسمح للباحثين بقياس إشارات ضعيفة للغاية.
تخيل الرنان كشوكة رنانة يتغير اهتزازها عندما يمتص الكاشف الطاقة. ومن خلال قياس هذا التغيير إلكترونيًا، يستطيع العلماء تحديد ما إذا كان الإشعاع قد وصل إلى المستشعر.
يشير الفريق إلى حساسية في نطاق الأتوواط. الأتوواط الواحد هو جزء من مليار جزء من مليار جزء من الواط، مع العلم أن حد الكشف الدقيق يعتمد على ظروف القياس.
يتطلب تحقيق هذه الحساسية تبريدًا استثنائيًا. تعمل الكواشف داخل معدات تبريد متخصصة قادرة على الوصول إلى درجات حرارة تقارب 0.01 كلفن، وهي أبرد بكثير من درجة حرارة الخلفية الكونية للفضاء التي تبلغ حوالي 2.7 كلفن، حيث يقمع التبريد الاضطرابات الحرارية التي قد تطغى على الإشارات التي يرغب الباحثون في قياسها.
من المجرات البعيدة إلى أمن المطارات
في علم الفلك، يمكن لهذه المجسات التقاط إشعاعات الميكروويف والترددات تيراهيرتز الخافتة المنبعثة من النجوم البعيدة، والغبار بين النجوم، والأجرام السماوية الأخرى. ويمكن لهذه الملاحظات أن توفر معلومات قد تغفلها التلسكوبات التي تعمل بالضوء المرئيK كما يبحث الفيزيائيون فيما إذا كانت هذه الأجهزة قادرة على المساعدة في رصد كميات الطاقة الضئيلة المترسبة عند اصطدام النيوترينوات - وهي جسيمات مراوغة نادراً ما تتفاعل مع المادة - بمواد كاشفة مصممة خصيصاً.
وفي سياق أقرب إلى الحياة اليومية، يتصور الباحثون ماسحات أمنية سلبية قادرة على تحديد الأجسام المشبوهة من خلال الاختلافات في الإشعاع المنبعث طبيعياً،وعلى عكس الماسحات النشطة، لا تحتاج الأنظمة السلبية إلى تسليط إشعاعها الخاص على الأشخاص.
وتشمل الاستخدامات المقترحة الأخرى رصد التغيرات الطفيفة في درجات حرارة الأنسجة البيولوجية، وتحديد العيوب في المواد الصناعية، ورصد تلوث الغلاف الجوي، وقد قام الفريق أيضاً بتصميم مصفوفات مجسات متعددة البكسلات، بما في ذلك تصميم سباعي البكسلات، والذي يمكن أن يساعد في توليد صور حرارية أو صور بترددات الراديو بدلاً من قياس نقطة واحدة فقط.
التحدي: تحويل الحساسية الاستثنائية إلى أجهزة عملية
على الرغم من أن هذه التقنية واعدة، إلا أنها لا تزال في مرحلة النماذج الأولية المختبرية، وقدأثبت باحثو معهد MISIS فعالية مكونات كاشفة مهمة، وتستكشف أبحاثهم المنشورة إمكانية دمجها مع الدوائر الكمومية فائقة التوصيل.
وتُعدّ التكلفة عائقًا آخر، إذ تتميز المبردات فائقة البرودة بحجمها الكبير وتعقيدها وارتفاع تكلفتها،ويعتقدالباحثون أن تصغير حجم الجسور الماصة قد يُحسّن الحساسية بأكثر من 100 ضعف، لكن تحقيق ذلك يتطلب معدات تصنيع نانوية متطورة.
ويأمل الباحثون في الكشف عن إشارات طاقة بالغة الضعف تعجز الأدوات التقليدية عن رصدها، مما يحوّل معلومات كانت يتعذر الوصول إليها سابقاً إلى بيانات قابلة للقياس من قِبَل العلماء.
المصدر: | بوابة روسيا العلمية |


