علماء روس يستلهمون من الأمعاء البشرية تصميم بطاريات حيوية

© Photo / unsplash/ julien Tromeur
تابعنا عبر
ماذا لو أمكن للبكتيريا تحويل مياه الصرف الصحي إلى كهرباء؟ لقد طوّر العلماء بطارية حيوية تجريبية مستوحاة من البُنى الدقيقة التي تبطّن الأمعاء البشرية، حيث ولّد التصميم الجديد طاقة تفوق بـ 8.3 مرة الطاقة الناتجة عن هيكل مسطح مماثل (لكل وحدة حجم)، كما حافظ على إنتاج الكهرباء لمدة لا تقل عن 14 ساعة.
قد تبدو الأمعاء البشرية مكاناً غير متوقع للبحث عن تقنية جديدة للطاقة؛ ومع ذلك، فقد ألهم تصميمها المذهل الباحثين لإعادة التفكير في كيفية توليد الكهرباء باستخدام البكتيريا الحية.
توجد داخل الأمعاء الدقيقة ملايين النتوءات المجهرية الشبيهة بالأصابع والتي تُعرف باسم "الخملات" (villi). وتتمثل وظيفتها الرئيسية في زيادة مساحة السطح المتاحة لامتصاص العناصر الغذائية، ويسمح هذا الترتيب للأمعاء بأداء قدر هائل من العمليات البيولوجية داخل حيز مكاني صغير نسبياً.
تساءل الباحثون عما إذا كان من الممكن لهيكل مماثل أن يحل مشكلة مستمرة تواجه البطاريات الميكروبية، وهي: الحفاظ على بقاء البكتيريا المولدة للكهرباء حية ومُغذّاة ونشطة في الإنتاج، وتشير نتائجهم إلى أن استلهام التصاميم الهندسية الموجودة في الطبيعة قد يحسّن بشكل كبير من كفاءة أنظمة الطاقة المصغرة هذه.
كيف يمكن للبكتيريا الحية إنتاج الكهرباء؟
يمكن لبعض الكائنات الحية الدقيقة إطلاق إلكترونات ناتجة عن عملياتها الأيضية أثناء استهلاكها للعناصر الغذائية، ويستطيع العلماء التقاط بعض هذه الإلكترونات باستخدام أقطاب كهربائية، مما يولد تياراً كهربائياً صغيراً.
وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه "خلية الوقود الميكروبية"، التي تُعرف أحياناً باسم البطارية الحيوية الحية، ومع ذلك، توفر الأقطاب الكهربائية المسطحة التقليدية مساحة محدودة لنمو البكتيريا. كما يمكن للمجتمعات البكتيرية الكثيفة أن تشكّل طبقات تُعرف باسم "الأغشية الحيوية" (biofilms)، التي قد تعيق حركة العناصر الغذائية وتسمح بتراكم الفضلات، مما يؤدي إلى تراجع الأداء.
وبقيادة البروفيسور سيوخون تشوي، صمّم الباحثون مادة هلامية مائية (هيدروجيل) مرنة وموصلة للكهرباء، تحتوي على أعمدة دقيقة تشبه في شكلها الخملات المعوية، وقام الفريق بدمج أبواغ (جراثيم) ساكنة لبكتيريا "Bacillus subtilis" داخل هذه الهياكل.
وعند توفر العناصر الغذائية، كان بإمكان هذه الأبواغ أن تستيقظ وتتطور إلى خلايا نشطة أيضياً. أتاح التصميم ثلاثي الأبعاد للبكتيريا مساحة سطح أكبر قابلة للاستخدام، مع تحسين فرص الحصول على العناصر الغذائية وتوفير مسارات للتخلص من الفضلات الأيضية، وبدلاً من الاكتفاء بإضافة المزيد من البكتيريا، عمل الباحثون على تهيئة بيئة أفضل لتعزيز نشاطها الحيوي.
طاقة أكبر بثمانية أضعاف بفضل تصميم أكثر ذكاء
أكدت النتائج أهمية التصميم الهندسي، فعند مقارنتها بقطب كهربائي مسطح له الحجم نفسه، أدى الهيكل المستوحى من شكل "الخملات" (النتوءات الدقيقة الموجودة في الأمعاء) إلى زيادة كثافة الطاقة الحجمية من 8.04 إلى 66.45 ميكروواط لكل سنتيمتر مكعب، وهو ما يمثل تحسناً بمقدار 8.3 ضعف.
ومن خلال اختبار 24 تكويناً مختلفاً، اكتشف الباحثون أيضاً مدى تأثير ارتفاع وعرض الأعمدة البنائية على الأداء الكهربائي، ومع توفر إمداد مستمر بالعناصر الغذائية، حافظت البطارية الحيوية المُجمَّعة على جهد كهربائي يبلغ نحو 0.75 فولت لمدة لا تقل عن 14 ساعة، مما يبرهن على إمكانية استخدامها لتشغيل المكونات الإلكترونية الصغيرة.
كما اختبر الفريق نسخة مرنة من البطارية في بيئة تحاكي أنابيب الصرف الصحي، حيث استُخدم محلول مغذٍ صُمم ليشبه مياه الصرف الصحي، ويشيرهذا إلى احتمال مثير للاهتمام: إذ يمكن لأجهزة المراقبة المستقبلية -التي تُثبَّت داخل شبكات الصرف الصحي- أن تولد جزءاً من طاقتها الكهربائية ذاتياً بالاعتماد على العناصر الغذائية المتاحة محلياً.
هل يمكن أن تصبح مياه الصرف الصحي مصدرا للطاقة المفيدة؟
تخيل شبكة من أجهزة الاستشعار الصغيرة داخل البنية التحتية لمعالجة المياه، تعمل على مراقبة الظروف البيئية باستمرار دون الحاجة إلى استبدال البطاريات بشكل متكرر.
قد تسهم البطاريات الحيوية الحية مستقبلاً في دعم مثل هذه التطبيقات، مما يقلل من متطلبات الصيانة في المواقع التي يصعب الوصول إليها، كما أن قدرتها على البقاء في حالة خمول حتى وصول العناصر الغذائية تجعلها مفيدة للأجهزة التي تعمل فقط عند توفر ظروف بيئية محددة.


