الاستماع إلى الدماغ: مجسات دقيقة تكشف كيف تتواصل مئات الخلايا العصبية

© Sputnik
تابعنا عبر
تُحدث أجيال جديدة من مجسات الدماغ -التي لا تتعدى في رقتها سماكة شعرة الإنسان- ثورةً في علم الأعصاب؛ إذ تتيح للباحثين تسجيل النشاط الكهربائي لمئات الخلايا العصبية الفردية في آنٍ واحد. وتكشف هذه التقنية عن كيفية عمل مناطق الدماغ المختلفة معاً، كما تفتح آفاقاً جديدة لدراسة الدماغ البشري.
على مدى عقود، سعى العلماء لفهم أحد أعظم ألغاز علم الأحياء: كيف تتعاون مليارات الخلايا العصبية معاً لتوليد الأفكار والذكريات والحركات واتخاذ القرارات؟
لم تكن المعضلة يوماً في مجرد رصد نشاط الدماغ؛ فقد امتلك الباحثون بالفعل تقنيات تكشف أي مناطق الدماغ تنشط أثناء أداء مهام معينة. لكن التحدي الأصعب يكمن في فهم ما تفعله الخلايا العصبية الفردية، وكيف تتضافر إشاراتها الكهربائية لتشكيل سلوكيات معقدة. واليوم، توفر تقنية تُدعى "نيوروبيكسلز" (Neuropixels) لعلماء الأعصاب رؤيةً فائقة الدقة للدماغ أثناء عمله.
وفي تقرير تقني نُشر في مجلة "نيتشر" بتاريخ 2 نوفمبر 2026، أوضح الباحثون كيف تُحدث هذه المجسات متناهية الصغر تحولاً في التجارب العلمية؛ إذ تُمكّن العلماء من مراقبة مئات الخلايا العصبية الفردية في وقت واحد، بل وعبر مناطق متعددة من الدماغ في آنٍ معاً.
كيف يمكن لمجسٍ دقيقٍ "الاستماع" إلى الدماغ؟
تتواصل الخلايا العصبية فيما بينها عبر إشارات كهربائية سريعة تُعرف بـ "جهود الفعل" (action potentials). وتسمح هذه النبضات الخاطفة للخلايا العصبية بنقل المعلومات وتنسيق أنشطتها. كانت طرق التسجيل التقليدية قادرة على قياس الإشارات الصادرة عن خلايا عصبية فردية، لكن كان على الباحثين غالباً الاختيار بين تسجيل عددٍ قليلٍ من الخلايا بدقة عالية، أو قياس النشاط الإجمالي لمجموعات أكبر بكثير من الخلايا.
وتأتي تقنية "نيوروبيكسلز" لتجاوز هذه العقبة. تعتمد هذه التقنية على مجسات سيليكونية بالغة الرقة، تحتوي على مئات أو آلاف المواقع المجهرية المخصصة للتسجيل،وعند إدخالها في أنسجة الدماغ، ترصد هذه المواقع تغيرات طفيفة في الجهد الكهربائي ناتجة عن الخلايا العصبية المجاورة. بعد ذلك، يقوم برنامج حاسوبي متطور بتحليل هذه الإشارات للتمييز بين نشاط كل خلية على حدة.
احتوى إصدار "نيوروبيكسلز" الأصلي، الذي طُرح عام 2017، على 960 موقعاً للتسجيل، منها 384 موقعاً متاحاً للتسجيل المتزامن. أما الجيل التالي، "نيوروبيكسلز 2.0" الذي ظهر عام 2021، فقد جاء بتصميمٍ يضم أربعة فروع (أذرع)، ويحتوي على 5,120 موقعاً للتسجيل، مع إمكانية استخدام ما يصل إلى 1,536 قناة تسجيل في وقت واحد. يُتيح هذا التطور للباحثين رصد مجموعات كبيرة من الخلايا العصبية بدقة تصل إلى مستوى المللي ثانية، ما يكشف ليس فقط عن الخلايا التي تصبح نشطة، بل أيضاً عن التوقيت الذي يتغير فيه نشاطها.
ماذا اكتشف العلماء؟
ساهمت هذه التقنية بالفعل في تغيير التصور التقليدي حول كيفية أداء الدماغ للمهام المعقدة. فبدلاً من الافتراض بأن كل وظيفة تقتصر على منطقة متخصصة واحدة، لاحظ الباحثون أن الإشارات المرتبطة بالحركة، والمكافآت، واتخاذ القرار يمكن أن تتوزع عبر مناطق دماغية مترابطة عديدة.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما حدث في عام 2025، حين نشر "المختبر الدولي للدماغ" (International Brain Laboratory) -وهو مشروع تعاوني يضم 12 مختبراً- خريطة تفصيلية للنشاط العصبي أثناء عملية اتخاذ القرار.
وقد جمع الباحثون تسجيلات من 621,733 خلية عصبية موزعة على 279 منطقة في الدماغ، وذلك باستخدام 699 مجساً أُدخلت في أدمغة 139 فأراً، وكشفت البيانات الناتجة أن النشاط المرتبط بالحركة والمكافأة كان أكثر انتشاراً وتوسعاً بكثير مقارنة بالإشارات التي تمثل مثيرات بصرية محددة.
والجدير بالذكر أن هذه التسجيلات جُمعت عبر تجارب متعددة، وليس من مئات الآلاف من الخلايا العصبية في آنٍ واحد، وتقدم هذه النتائج دليلاً على أن فهم السلوك يتطلب دراسة النشاط المنسق عبر شبكات الدماغ، بدلاً من الاكتفاء بدراسة مناطق معزولة.
من تسجيل نشاط الخلايا العصبية إلى التحكم فيه
تواصل هذه التقنية تطورها المستمر، ففي يونيو 2026، قدم الباحثون تقنية "نيوروبيكسلز أوبتو" (Neuropixels Opto)، وهي نسخة تجريبية تدمج بين وحدات التسجيل الكهربائي وبواعث ضوئية دقيقة.
وهذا لا يتيح للعلماء قياس النشاط العصبي فحسب، بل يمكنهم أيضاً تنشيط أو تثبيط مجموعات مختارة من الخلايا العصبية -التي جرى تعديلها وراثياً لتصبح حساسة للضوء- وذلك من خلال تقنية تُعرف بـ "علم البصريات الوراثي" (optogenetics).
وفي التجارب المعملية، أثبت الباحثون أن هذا النظام قادر على التأثير في النشاط العصبي على أعماق مختلفة داخل دماغ الفأر، مع تسجيل الإشارات الناتجة عن ذلك في الوقت ذاته، وتكمنالقيمة العلمية لهذا الدمج في أن مجرد رصد النشاط لا يكفي للجزم بأن مجموعة معينة من الخلايا العصبية هي المسؤولة عن سلوكٍ ما؛ إذ إن تعديل هذا النشاط بدقة وملاحظة النتائج المترتبة عليه يوفر أدلة أقوى حول كيفية عمل الدوائر العصبية.
نافذة جديدة على الدماغ البشري
ربما يكون التطور الأحدث والأكثر أهمية هو توسيع نطاق استخدام تقنية "نيوروبيكسلز" (Neuropixels) ليشمل البشر، ففي المستشفى الوطني لطب الأعصاب وجراحة الأعصاب في لندن، بدأ الباحثون باستخدام هذه المجسات خلال عمليات جراحية عصبية مختارة، وذلك بعد الحصول على موافقة المرضى.
وفي إحدى التجارب التي عرضتها دورية "نيتشر" (Nature)، قام العلماء بإدخال مجس لفترة وجيزة في دماغ أحد المرضى أثناء خضوعه لعملية جراحية، وسجلوا استجابات الخلايا العصبية بينما كان المريض يستمع إلى سلسلة من الكلمات المنطوقة، كمااستُخدمت تقنية "نيوروبيكسلز" في أبحاث أخرى لدراسة كيفية استجابة الخلايا العصبية في منطقة "الحصين" (hippocampus) لدى البشر للأنماط الصوتية أثناء التخدير العام.
وتُظهر هذه الدراسات أن الباحثين باتوا قادرين على الحصول على تسجيلات دقيقة من خلايا عصبية بشرية فردية، وذلك في ظل ظروف جراحية مضبوطة بعناية.
لماذا تُعد هذه التقنية مهمة؟
ربما تكمن المساهمة الأكبر لتقنية "نيوروبيكسلز" في قدرتها على الربط بين مستويين من الفهم كان من الصعب سابقاً دراستهما معاً: النشاط الكهربائي للخلايا العصبية الفردية، والسلوك المنسق لشبكات الدماغ ككل.
ومن خلال الكشف عن كيفية توزيع الإشارات العصبية ومزامنتها وتعديلها أثناء أداء مهام مختلفة، يمكن لهذه التقنية تعميق الفهم العلمي لعمليات الإدراك، والتعلم، والحركة، واتخاذ القرار، وعلى المدى البعيد، قد تسهم هذه المعرفة في تطوير الأبحاث المتعلقة بالاضطرابات العصبية وواجهات الدماغ والحاسوب المستقبلية.
المصدر: | مجلة نيتشر العلمية |




