المرتبات في ليبيا بين مخاوف تأخر الصرف وتصاعد المطالب بزيادة الأجور

© Sputnik . MAHER ALSHAERY
تابعنا عبر
حصري
تجددت المخاوف بشأن ملف المرتبات في ليبيا في ظل الانقسام المؤسسي وتضخم الإنفاق الحكومي، وتصاعد مطالب الموظفين بزيادة الأجور، وسط تباين في تقييم أسباب الأزمة بين وفرة الموارد المالية واختلالات إدارة الإنفاق العام.
وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور أبوسيف أغنية في حديث خاص لوكالة "سبوتنيك" إن "أزمة المرتبات في ليبيا لم تعد مجرد مخاوف، أو توقعات بشأن احتمال تأخر صرفها، بل أصبحت انعكاسًا لاختلالات هيكلية عميقة في إدارة المالية العامة، ترتبط بتضخم الإنفاق الحكومي، والانقسام المؤسسي والمالي، وغياب منظومة موحدة وفعالة لإدارة الإنفاق العام والرقابة عليه".
وأوضح أغنية أن اختزال أزمة المرتبات في مسألة انتظام الصرف "لا يعالج جوهر المشكلة"، مشيراً إلى أن انتظام صرف المرتبات يجب ألا يكون رهناً بالتجاذبات السياسية، أو الانقسامات المؤسسية، باعتباره حقاً أصيلاً للمواطن والتزاماً مباشراً على الدولة.
وأضاف أغنية، أن "ضمان استدامة صرف المرتبات يتطلب تبني سياسة مالية موحدة، وإعداد قاعدة بيانات دقيقة للعاملين في القطاع العام وربط منظومة المرتبات بالاعتمادات المالية الفعلية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين وزارة المالية ومصرف ليبيا المركزي والجهات الرقابية".
ولفت أغنية، إلى أن تعدد مستويات الرقابة والإجراءات الإدارية يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعقيد مسار الإنفاق وتأخر إتمامه.
واختتم أغنية حديثه بالتأكيد على أن ليبيا لا تعاني من أزمة مرتبات فحسب، بل تواجه أزمة أوسع تتعلق بإدارة الموارد العامة والإنفاق الحكومي، وتعدد المؤسسات وازدواجيتها، مشيراً إلى أن وجود مؤسسات ووزارات متوازية في شرق البلاد وغربها وجنوبها يعكس عمق الانقسام الإداري والمالي.
مسؤول مالي سابق: الاحتجاجات تشكل تحديا حقيقيا لسير العمل
من جانبه، قال عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق مراجع غيث في حديث خاص لوكالة "سبوتنيك" إن أزمة المرتبات في ليبيا لا ترتبط حاليًا بوجود عجز مالي أو نقص في الموارد، موضحاً أن الأموال اللازمة لتغطية المرتبات متوفرة، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط، ولا توجد في الوقت الراهن مؤشرات على مخاوف تتعلق بتأخر صرفها.
وأوضح غيث أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه البلاد يتمثل في تصاعد الاعتصامات والإضرابات والمطالبات بزيادة المرتبات، والتي باتت تؤثر في سير عمل عدد من القطاعات، مستشهداً باعتصام المعلمين وتوقف الدراسة في المدارس.
وأضاف غيث، أن الانقسام المؤسسي لم يؤثر بصورة مباشرة في انتظام صرف المرتبات، مشيراً إلى أن منظومة المرتبات واصلت عملها دون توقف منذ سنوات، سواء خلال الفترة الممتدة من عام 2015 إلى عام 2020، أو بعد عام 2021 وحتى الوقت الراهن.
وأكد غيث أن جوهر الأزمة يكمن في المطالب المتزايدة برفع الأجور، وما إذا كانت الدولة الليبية تمتلك القدرة المالية على الاستجابة لهذه الزيادات والوفاء بالتزاماتها مستقبلاً، في ظل الالتزامات المالية القائمة والموارد المتاحة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن السؤال الأساسي لا يتعلق بقدرة الدولة على صرف المرتبات الحالية، وإنما بمدى قدرتها على تحمل أعباء الزيادات الجديدة وضمان استدامتها دون إحداث اختلالات في المالية العامة.
خبير مصرفي: مرتبات المواطنين يجب أن تكون بمنأى عن التجاذبات السياسية
وبدوره، قال الكاتب والمصرفي كمال المزوغي، في حديث خاص لوكالة "سبوتنيك" إن "التأخر في صرف المرتبات يثير مخاوف جدية بشأن انتظام هذا الاستحقاق، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القرار المالي والتنفيذي في البلاد".
وأوضح المزوغي أن المؤشرات المالية المنشورة لا تشير بالضرورة إلى وجود عجز مباشر يحول دون قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين، إلا أن تضخم فاتورة الأجور، والتعثر في توحيد جداول المرتبات، واختلاف الإجراءات والآليات المعتمدة بين المؤسسات، كلها عوامل تثير تساؤلات بشأن كفاءة إدارة الالتزامات المالية للدولة.
وأضاف أن التحدي الراهن لا يرتبط فقط بمدى توافر الموارد المالية، وإنما يتجاوز ذلك إلى قدرة المؤسسات المعنية على التنسيق فيما بينها، وتوحيد القرارات والإجراءات، بما يضمن انتظام صرف المرتبات دون تأخير أو اضطراب.
وشدّد المزوغي على أن مرتبات المواطنين يجب أن تكون بمنأى عن التجاذبات السياسية والخلافات المؤسسية، باعتبارها استحقاقاً أصيلاً والتزاماً مباشراً على الدولة، محذراً من أن أي إخلال بانتظام صرفها ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار المعيشي لملايين الليبيين.
واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة تحييد مرتبات المواطنين عن تداعيات الانقسام السياسي والمؤسسي، والعمل على توفير ضمانات مالية وإدارية واضحة ومستدامة، تجعل صرفها حقاً منتظماً لا يخضع لتقلبات المشهد السياسي أو الخلافات بين المؤسسات.

