الجزائر حاضرة في 57 دولة… هل تتحول الولايات الجزائرية إلى قاطرات حقيقية للتصدير؟

© /unsplash/Sid Ahmed SAOUD
تابعنا عبر
حصري
تنظم الجزائر يوما وطنيا للتصدير، بمشاركة 33 ولاية واستهداف 57 دولة، في خطوة تندرج ضمن مساعيها لتعزيز حضورها في الأسواق الدولية، وتنويع الاقتصاد الوطني، وتقليص الاعتماد على المحروقات.
وتكتسب هذه التظاهرة أهمية تتجاوز طابعها الاحتفالي، في ظل ما تطرحه من تساؤلات بشأن قدرة القاعدة الإنتاجية الجزائرية على المنافسة خارجيًا، ومدى إمكانية تحويل الإمكانات الاقتصادية التي تزخر بها الولايات إلى صادرات مستدامة، تسهم في توفير العملة الصعبة وفرص العمل، وتعزيز مكانة المنتج الجزائري في الأسواق العالمية.
وفي السياق قال الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي لـ"سبوتنيك": "في تقديري، نحن أمام فرصة اقتصادية مهمة، لكن نجاحها لا يقاس بعدد الولايات المشاركة أو الدول المستهدفة، وإنما بحجم الصادرات الفعلية، وعدد المؤسسات التي تتمكن من دخول الأسواق الخارجية، واستمرارية حضور المنتجات الجزائرية فيها".
وأضاف: "تكمن أهمية إشراك 33 ولاية في أن الجزائر لا ينبغي أن تنظر إلى التصدير باعتباره نشاطاً محصوراً في المؤسسات الصناعية الكبرى أو في الولايات الساحلية، بل باعتباره مشروعاً اقتصادياً وطنياً تشارك فيه مختلف المناطق حسب خصوصياتها وإمكاناتها الإنتاجية، فالجزائر تمتلك تنوعاً جغرافياً ومناخياً وإنتاجياً يسمح ببناء منظومة تصديرية متعددة الأقطاب".
وأردف: "ولايات الجنوب تمتلك إمكانات معتبرة من المنتجات الفلاحية الصحراوية والتمور والخضروات المبكرة وبعض المنتجات المرتبطة بتربية المواشي، فضلاً عن إمكانات الصناعات التحويلية المرتبطة بالموارد المحلية".
وتابع تيغرسي: "أما ولايات الهضاب العليا فتتوفر على فرص مهمة في الحبوب والمنتجات الزراعية والصناعات الغذائية والمواد الأولية، وفي الشمال، نجد قطاعات الصناعات الغذائية والتحويلية والمواد البلاستيكية ومواد البناء والصناعات الكهربائية والإلكترونية والمنتجات الصيدلانية والنسيجية".
وأوضح أن "ولايات مثل وهران، سطيف، بجاية، قسنطينة، تيزي وزو، البليدة وغيرها، تمتلك قاعدة صناعية وتجارية يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للصادرات".
وأضاف تيغرسي: "المطلوب هنا هو الانتقال من منطق مشاركة الولايات إلى منطق تخصص الولايات في التصدير، بحيث تكون لكل ولاية خريطة واضحة للمنتجات القابلة للتصدير والأسواق المستهدفة والمؤسسات المؤهلة لذلك".
وتابع الخبير الاقتصادي حديثه بالتساؤل عن المنتجات الجزائرية القادرة على دخول الأسواق الدولية، مؤكداً ضرورة تجاوز الاعتقاد بأن صادرات الجزائر تقتصر على النفط والغاز، عند الحديث عن التصدير خارج قطاع المحروقات.
وأوضح أن الجزائر تمتلك سلة متنوعة من المنتجات القابلة للتصدير، في مقدمتها المنتجات الفلاحية والغذائية، مشيرًا إلى الفرص المتاحة لتصدير التمور، ولا سيما دقلة نور، وزيت الزيتون، والطماطم والبطاطا والبصل والثوم، إلى جانب المنتجات الزراعية الصحراوية والعسل وبعض المنتجات الطبيعية.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الصناعات الغذائية التحويلية قادرة على تحقيق قيمة مضافة أكبر مقارنة بتصدير المنتجات الأولية، من خلال تصنيع العصائر والمصبرات ومشتقات الحبوب والمنتجات الغذائية المعلبة، لافتاً إلى أن الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية توفر فرصاً مهمة في هذا المجال، شريطة الالتزام بمعايير الجودة والصحة والتغليف والتتبع.
ثانيا: الصناعات التحويلية والمواد الصناعية
وأضاف تبغرسي أن "هذا القطاع يمكن أن يشكل أحد أبرز محركات الصادرات الجزائرية، لا سيما في ظل تطور بعض القدرات الإنتاجية الوطنية، مشيراً إلى وجود فرص لتصدير الإسمنت والكلنكر ومواد البناء والحديد والصلب والمنتجات البلاستيكية والمواد الكيماوية والأسمدة، إلى جانب المنتجات المرتبطة بالصناعات الميكانيكية والكهربائية".
كما أشار إلى إمكانية تعزيز حضور المنتجات الإلكترونية والكهرومنزلية في الأسواق الأفريقية، إذا تمكنت المؤسسات الجزائرية من تطوير جودة منتجاتها وتنافسيتها وخدمات ما بعد البيع.
ثالثا: الصناعات الصيدلانية والطبية
وأوضح أن الجزائر تمتلك قاعدة صناعية صيدلانية قابلة للتطوير، بما يؤهلها للتحول إلى منصة لتزويد الأسواق الإفريقية والعربية بالأدوية وبعض المنتجات الطبية وشبه الطبية.
غير أن تطوير هذا القطاع يتطلب الالتزام بمعايير التصنيع الجيد، والحصول على شهادات المطابقة، واستكمال إجراءات التسجيل لدى السلطات الصحية في الدول المستوردة.
رابعا: النسيج والجلود والمنتجات الاستهلاكية
ولفت إلى وجود فرص غير مستغلة بالشكل الكافي في قطاعات النسيج والملابس والأحذية والجلود، التي يمكن أن تسهم في تحقيق قيمة مضافة وتوفير عدد كبير من فرص العمل، مشيرا إلى أن الرهان هنا ليس فقط على تصدير المواد الأولية، وإنما على المنتجات النهائية ذات العلامة التجارية الجزائرية.
واعتبر الخبير الاقتصادي إن استهداف 57 دولة يطرح ضرورة التفكير في جغرافيا التصدير بطريقة استراتيجية، وليس الاكتفاء بالبحث عن مشترين للمنتجات الجزائرية، وتبرز أفريقيا باعتبارها مجالًا واعدًا، بالنظر إلى احتياجاتها المتزايدة في الغذاء والدواء ومواد البناء والمنتجات الصناعية والاستهلاكية.
وأوضح أن الجزائر تمتلك مجموعة من المزايا التي يمكن استثمارها، أهمها القرب الجغرافي من الأسواق الأفريقية، والارتباط بشبكة من الاتفاقيات التجارية، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي كبوابة بين أوروبا وإفريقيا والفضاء المتوسطي.
وهنا تبرز أهمية منطقة التجارة الحرة الإفريقية، التي يمكن أن تمنح المنتجات الجزائرية فرصًا أوسع للوصول إلى أسواق القارة، من خلال تخفيض الحواجز التجارية وتسهيل المبادلات وفق قواعد المنشأ المعتمدة، كما أن منطقة التجارة الحرة بتندوف، والربط البري مع موريتانيا ودول غرب إفريقيا، يمكن أن يشكلا رافعة لوجستية مهمة في هذا المسار.
وأشار تيغرسي إلى مسألة مهمة تتعلق بضرورة عدم حصر التصدير في تسويق فائض الإنتاج المحلي، موضحاً أن ذلك، رغم إيجابيته، لا يكفي لبناء اقتصاد تصديري مستدام. وأكد أن الاقتصادات التي نجحت في دخول الأسواق الدولية لم تعتمد دائماً على فائض الإنتاج، بل عملت على بناء صناعاتها وفق الطلب الخارجي، وتطوير منتجاتها بما يتلاءم مع احتياجات المستهلكين في الأسواق المستهدفة.
وأوضح أن ذلك يتطلب الانتقال تدريجياً من عقلية "ماذا ننتج ونصدر؟" إلى عقلية "ماذا تحتاج الأسواق الدولية، وكيف يمكن للمنتج الجزائري تلبية هذه الاحتياجات؟".
وفي هذا السياق، شدد على أهمية تعزيز الربط بين الجامعة والبحث العلمي والمؤسسات الاقتصادية، باعتبار أن التصدير في الاقتصاد الحديث لم يعد يعتمد على المواد الأولية فحسب، بل أصبح يرتكز أيضاً على الابتكار والتكنولوجيا والتصميم والجودة والعلامة التجارية.
كما أكد أن الرقمنة باتت ضرورة، من خلال تطوير منصات إلكترونية تتيح للمؤسسات الجزائرية عرض منتجاتها والتواصل مع المستوردين، وإتمام جزء من المعاملات التجارية عبر الحدود.






