فوارق الأجور وتعدد اللوائح... ما الذي يعطل توحيد مرتبات الموظفين في ليبيا؟

© Sputnik . WALEED LAMA
تابعنا عبر
حصري
في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والسياسي في ليبيا، لا يزال ملف توحيد المرتبات يواجه خلافات بشأن آليات التنفيذ والمعايير المعتمدة لتحقيق العدالة بين موظفي القطاعات العامة، وسط تباين وجهات النظر حول مصادر التمويل والقدرة على تحمل الأعباء المالية المترتبة على هذه الخطوة.
وبين المطالب المتزايدة بإنهاء الفوارق في الأجور وضمان المساواة بين الموظفين، والتحديات التي تفرضها الانقسامات الإدارية والمالية، تتجدد التساؤلات بشأن فرص التوصل إلى توافق ينهي هذا الملف، وما إذا كانت الجهود الحالية قادرة على تحقيق إصلاح فعلي لمنظومة المرتبات، أم أن الخلافات المستمرة ستبقي مصير آلاف الموظفين ومستقبل الإنفاق العام رهناً بتجاذبات المؤسسات والأطراف السياسية.
إصلاح شامل
قال الخبير في إدارة الموارد البشرية والمستشار العمالي بوزارة العمل الليبية، سيف الدين سالم الضراط، إن "المطالبة بتوحيد المرتبات في ليبيا حق مشروع تكفله القوانين لمختلف شرائح الموظفين، إلا أن معالجة هذا الملف يجب ألا تقتصر على المساواة في قيمة الرواتب، بل ينبغي أن تكون جزءا من إصلاح شامل للمنظومة الوظيفية العامة، بما يحقق العدالة الاجتماعية والوظيفية ويضمن مستوى معيشيا كريما للعاملين في القطاع العام".
وأوضح الضراط في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "المشكلة في ليبيا لا تتعلق فقط بالتفاوت في المرتبات بين المؤسسات والقطاعات، وإنما أيضا بمدى قدرة هذه المرتبات على تلبية الاحتياجات الأساسية للموظف وأسرته، في ظل ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والتعليم والصحة والمواصلات"، مشيرا إلى أن "شريحة واسعة من الموظفين تواجه صعوبة في تحقيق التوازن بين دخلها الشهري ومتطلبات الحياة، رغم سنوات طويلة من العمل في الوظيفة العامة".
وأضاف أن "منظومة الأجور والمزايا الحالية تكشف عن تفاوت في مستويات الدخل بين بعض المناصب السياسية والتنفيذية والقيادية والجهات الرقابية، وبين الموظفين في الدرجات الوظيفية العادية، الذين يعتمدون على المرتب الأساسي مصدرا رئيسيا لدخلهم".
وشدد على "ضرورة مراجعة التناسب بين الرواتب والامتيازات المالية من جهة، وتكاليف المعيشة والاحتياجات الفعلية للموظفين من جهة أخرى، دون تعميم الأحكام على جميع العاملين داخل المؤسسات".
وأشار إلى أن "العدالة لا تعني بالضرورة حصول جميع الموظفين على المرتب نفسه، نظرا لاختلاف الوظائف في طبيعة المهام والمسؤوليات والمؤهلات والخبرات والمخاطر، وإنما تقتضي وجود معايير موحدة وموضوعية لتقييم الوظائف وتحديد الأجور، بحيث يحصل الموظف على مقابل عادل يتناسب مع قيمة العمل الذي يؤديه".
وأكد الضراط أن "نجاح مشروع توحيد المرتبات ينبغي أن يقوم على 3 اعتبارات رئيسية، تتمثل في تحقيق العدالة بين الوظائف المتشابهة، وضمان حد أدنى من القدرة الشرائية يوفر حياة كريمة للموظف، وربط الأجر بالمسؤولية والكفاءة والجدارة، بما يعزز مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب".
ولفت إلى أن "إصلاح منظومة الأجور يجب ألا ينفصل عن إصلاح الإدارة العامة، من خلال معالجة الازدواج الوظيفي، وضبط الملاك الوظيفي، وتطوير نظم تقييم الأداء، وربط الترقيات بالتطوير المهني والإنجاز"، مؤكدا أن "الدولة تحتاج إلى جهاز إداري أكثر كفاءة وإنتاجية، تكون فيه الحقوق والواجبات واضحة".
وفيما يتعلق بالضمانات القانونية، أوضح، سيف الدين سالم الضراط، أن "نجاح المشروع يتطلب إطارا تشريعيا واضحا يحمي الحقوق المكتسبة للموظفين، ويمنع الإضرار بمراكزهم المالية والوظيفية عند الانتقال إلى النظام الجديد، وذلك من خلال مراجعة الأسس القانونية للعلاوات والبدلات وعدم الانتقاص من المستحقات دون سند قانوني".
كما شدد على "ضرورة توحيد معايير التصنيف والتقييم الوظيفي، وضمان عدم التمييز بين الوظائف المتساوية في القيمة بسبب اختلاف الجهات الإدارية، إلى جانب إرساء مبدأ الشفافية عبر نشر جداول المرتبات والعلاوات ومعايير الاستحقاق، وتوفير آليات واضحة للتظلم والطعن أمام الجهات المختصة".
وأكد الضراط على أن "نجاح مشروع توحيد المرتبات لا يقاس بمجرد إصدار جدول موحد للأجور، وإنما بمدى قدرته على تحقيق العدالة الوظيفية، وتعزيز القدرة المعيشية للموظفين، وبناء علاقة أكثر توازنا بين الدولة والعاملين في القطاع العام".
حقوق وظيفية
من جانبه، قال الأكاديمي والخبير في الموارد البشرية، فرج المجريسي، إن "ملف توحيد المرتبات في ليبيا يتطلب معالجة إدارية وفنية شاملة، تتجاوز مجرد وضع جدول موحد للأجور وتحديد القيمة المالية لكل درجة وظيفية"، مشيرا إلى أن "التحدي الأساسي يتمثل في ضرورة إجراء تقييم دقيق للوظائف قبل تحديد الرواتب، باعتبار أن توحيد الأجور يمثل جزءاً من عملية إصلاح إداري أوسع".
وأضاف المجريسي في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "هذه العملية تستوجب وضع توصيف وظيفي واضح لكل درجة، وتحديد طبيعة المهام والمسؤوليات والصلاحيات المطلوبة"، لافتا إلى أن "وجود موظفين يحملون المسمى الوظيفي نفسه لا يعني بالضرورة تساوي حجم المسؤوليات أو ضغوط العمل، كما أن بعض الوظائف ذات المسميات المختلفة قد تكون متساوية من حيث القيمة الوظيفية. ومن هنا تبرز أهمية اعتماد مفهوم العائلات الوظيفية والتقييم الوظيفي الموحد، بعيداً عن الاجتهادات المنفردة لكل مؤسسة".
وتابع أن "من أبرز التحديات التي تواجه هذا الملف تعدد لوائح وجداول المرتبات والعلاوات بين القطاعات، حيث تختلف أنظمة الأجور في التعليم والتعليم العالي والصحة والجيش والشرطة والمرافق العامة، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن آلية التوفيق بين هذه الجداول والمعايير التي يمكن اعتمادها لتحقيق العدالة".
وشدد على ضرورة تطبيق مبدأ "الأجر المتساوي للعمل المتساوي أو المتكافئ في القيمة"، من خلال تقييم الوظائف وفقا لمعايير محددة تشمل المعرفة والمهارات المطلوبة، وحجم المسؤولية، والجهد الذهني والبدني، وظروف العمل. كما أكد أهمية التمييز بين قيمة الوظيفة والدرجة والمؤهل المطلوب لشغلها من جهة، والأداء الفعلي للموظف من جهة أخرى.
وفيما يتعلق بتأثير توحيد المرتبات على بيئة العمل والإنتاجية، أوضح المجريسي أن "زيادة الأجور أو توحيدها لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى الإنتاجية، ما لم تقترن بمهام ومسؤوليات واضحة ومؤشرات أداء رئيسية (KPIs) يمكن من خلالها قياس مستوى إنجاز الموظف وجودة الخدمات التي يقدمها، ونسب الأخطاء والوقت المستغرق في إنجاز المهام".
وأشار إلى أن "ربط الترقيات وتقدير الأداء بمعايير واضحة يسهم في خلق بيئة عمل قائمة على المنافسة الإيجابية، بدلا من ربط الترقية بمجرد مرور فترة زمنية دون النظر إلى مستوى الإنجاز والتطور المهني".
وفيما يتعلق بآليات التنفيذ، اعتبر المجريسي أن "الاستفادة من التجارب الدولية، خاصة البريطانية، التي تعتمد على التقييم الدقيق للوظائف وتصنيفها وفقاً لطبيعة المهام والمسؤوليات، يمكن أن تمثّل مدخلا مناسبا لمعالجة الاختلالات القائمة"، وأكد أن "المساواة في الأجور لا تعني بالضرورة تحقيق العدالة"، مستشهدا بالاختلاف بين طبيعة عمل عضو هيئة التدريس الحاصل على مؤهلات عليا ويؤدي مهام أكاديمية متخصصة، وبين وظائف أخرى تختلف من حيث متطلبات التأهيل والمسؤولية.
ولفت إلى "ضرورة مراعاة المؤهلات والخبرات والشهادات المهنية والمهارات الإضافية عند تقييم الموظفين، وعدم الاكتفاء بالمؤهل الجامعي وحده، إلى جانب تحديد الراتب الأساسي والبدلات وطبيعة العمل بصورة واضحة".
وأكد فرج المجريسي، على أن "نجاح مشروع توحيد المرتبات يتطلب دراسة شاملة لتكلفته المالية وانعكاساته على ميزانية الدولة، خاصة مع الارتفاع الكبير في فاتورة المرتبات، التي بلغت نحو 67 مليار دينار وفقا لتقارير مصرف ليبيا المركزي"، مشددا على أن "البداية الصحيحة يجب أن تكون بتصنيف الوظائف وتقييمها بصورة دقيقة، ثم تحديد الدرجات والقيم المالية المناسبة، بما يحقق التوازن بين العدالة الوظيفية والاستدامة المالية".


