وخلال فترة الرصد التمهيدية، رصد التلسكوب كويكبًا ضخمًا في الحزام الرئيسي بين مداري المريخ والمشتري يحمل اسم 2025 MN45، يبلغ قطره نحو 710 أمتار، ويدور حول نفسه بسرعة غير مسبوقة، إذ يكمل دورة كاملة في غضون 1.88 دقيقة فقط. هذه السرعة تتجاوز بكثير ما يُعرف بـ"حاجز الدوران" البالغ نحو 2.2 ساعة، وهو الحد النظري الذي يُفترض أن تتفكك بعده الكويكبات الكبيرة بسبب قوى الطرد المركزي.
ولم تكن هذه الحالة استثناءً منفردًا، إذ كشفت البيانات عن 18 كويكبًا إضافيًا تدور بسرعات توصف بأنها "مستحيلة" وفق النماذج التقليدية، ما يشير إلى أن كثيرًا من كويكبات الحزام الرئيسي قد تكون أقوى وأكثر تماسكًا مما كان يُعتقد سابقًا.
وأوضحت الباحثة الرئيسية في الدراسة، الفلكية سارة غرينستريت من المؤسسة الوطنية الأميركية لأبحاث الفلك البصري وتحت الأحمر، أن الانتشار غير المتوقع لكويكبات يزيد قطرها على 500 متر وتدور خلال أقل من دقيقتين يفرض إعادة النظر في فهم تشكّل الكويكبات وتطور حركتها الدورانية.
ويُعد النظام الشمسي موطنًا لملايين الأجرام الصغيرة، أو ما يُعرف بالكواكب القزمة والكويكبات، التي تمثل سجلات شبه محفوظة من المراحل الأولى لتكوّن النظام الشمسي. غير أن دراستها ظلت صعبة بسبب صغر حجمها وبعدها وسرعة حركتها، ما جعل الحصول على بيانات دقيقة حول أشكالها وكثافتها ودورانها أمرًا محدودًا، حسبما ذكرته مجلة "ساينس أليرت".
وخلال تسع ليالٍ من الرصد بين 21 أبريل/نيسان و5 مايو/أيار 2025، جمع مرصد روبين بيانات عن نحو 340 ألف كويكب. ومن هذه العينة، تمكن الفريق العلمي من قياس معدلات دوران 76 كويكبًا، تبيّن أن 19 منها تدور أسرع من الحد النظري المعروف، بينها ثلاثة كويكبات فائقة السرعة تدور في أقل من خمس دقائق.
وتخالف هذه النتائج الفرضية السائدة التي تعتبر معظم الكويكبات "ركامًا فضائيًا" مكوّنًا من صخور وحصى وغبار متماسك بفعل الجاذبية فقط، ما يجعلها عرضة للتفكك عند تسارع دورانها. وتشير الحسابات إلى أن كويكب 2025 MN45، على سبيل المثال، لا بد أن يمتلك قوة تماسك تضاهي الصخور الصلبة ليحافظ على بنيته رغم سرعته الهائلة.
ويرجّح الباحثون أن هذه الكويكبات الصلبة قد تكون بقايا اصطدامات عنيفة وقعت في بدايات تشكّل النظام الشمسي، واحتفظت ببنيتها الداخلية على عكس معظم الأجرام الأخرى. ويرى العلماء أن توسيع قاعدة البيانات عبر الرصد المستقبلي، إلى جانب مهمات فضائية مثل مركبة "لوسي" التابعة لناسا، قد يسهم في إحداث نقلة نوعية في فهم تاريخ التصادمات وبنية الكويكبات، بل وفي إعادة رسم صورة تطور النظام الشمسي بأكمله.