وقال مراقبون إن المخاوف الفلسطينية مشروعة في ظل إمكانية استبدال الإدارة الفلسطينية للقطاع إلى صيغة دولية ناعمة لفترة طويلة، لا سيما مع نية إسرائيل عدم الانسحاب من قطاع غزة.
استنكرت حركة "حماس" الفلسطينية، بشدة قرار إدراج رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ضمن "مجلس السلام"، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل "مؤشرًا بالغ الخطورة" ويتنافى مع مبادئ العدالة والمساءلة الدولية.
وقالت الحركة في بيان لها، إن ضم نتنياهو، الذي وصفته بـ"مجرم الحرب"، و"المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية"، يعكس تجاهلًا واضحًا للانتهاكات المتواصلة التي يتعرض لها قطاع غزة.
وأضافت أن "نتنياهو يواصل عرقلة اتفاق وقف الحرب على غزة، ويرتكب انتهاكات واسعة تشمل استهداف المدنيين، وتدمير الأحياء السكنية والمرافق العامة، وضرب مراكز الإيواء، وذلك رغم مرور أكثر من 3 أشهر على الإعلان عن وقف إطلاق النار".
صيغة دولة ناعمة
قال المحلل السياسي الفلسطيني، فادي أبو بكر، إن انضمام إسرائيل إلى ما يسمى مجلس السلام يأتي في سياق محاولة إعادة إنتاج الهيمنة الإسرائيلية بصيغة دولية ناعمة، تتيح لها الاحتفاظ بأدوات السيطرة والتحكم دون تحمل التكاليف المباشرة المترتبة على الاحتلال.
وأكد في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن هذه الخطوة تهدف في جوهرها إلى إفراغ أي أفق سيادي فلسطيني من مضمونه السياسي الفعلي.
وأضاف أبو بكر أن هذا المجلس، بدلًا من أن يشكل إطارًا انتقاليًا نحو إنهاء الاحتلال، فإنه يتحول إلى آلية لإدارته وتأبيده، حيث يمنح إسرائيل موقع التأثير والقدرة على ممارسة فيتو غير معلن تحت عناوين وذرائع الأمن والاستقرار.
وبين المحلل السياسي أن الخطر الحقيقي في المرحلة الراهنة لا يكمن في فشل المرحلة الثانية من الترتيبات المقترحة، بل في احتمالية نجاحها كمنظومة دائمة لإدارة الأزمة الفلسطينية، موضحًا أن نجاحًا من هذا النوع سيؤدي بالضرورة إلى تثبيت واقع الاحتلال على الأرض وإغلاق كافة الأبواب أمام أي انتقال سياسي حقيقي.
وشدد أبو بكر على أن هذه المسارات تسعى لاستبدال مشروع التحرر الوطني الفلسطيني بحالة طويلة الأمد من الاستقرار المُدار، التي تفتقر إلى أي سيادة وطنية أو أفق لإقامة الدولة المستقلة.
شكوك ومخاوف فلسطينية
من جانبه، قال الأكاديمي والمحلل السياسي الفلسطيني، ماهر صافي، إن هناك معارضة قوية من قبل السلطة الفلسطينية لدعوة إسرائيل للانضمام إلى مجلس السلام، دون وجود ضمانات واضحة وحقيقية لإحلال السلام، مؤكدًا أن هذا المجلس يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من عملية سياسية شاملة تفضي إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، وضمان إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس.
وأكد في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن لدى الفلسطينيين تخوفات مشروعة ناتجة عن عدم نزاهة الإدارة الأمريكية في تعاملها مع الملف الفلسطيني، مشيرًا إلى أن واشنطن تتبع سياسة ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين، مما يفتح الباب أمام إسرائيل لاستغلال مجلس السلام كأداة لتعزيز احتلالها وتقويض الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وأضاف المحلل السياسي أن الممارسات الإسرائيلية على الأرض، من زيادة وتيرة الاستيطان وتقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة وتغيير طابعها الجغرافي والديمغرافي، تعكس نية الاحتلال في الفصل النهائي بين غزة والضفة، لافتًا إلى أن اعتداءات المستوطنين المستمرة بحماية الجيش والشرطة في المدن والقرى والمخيمات تأتي في سياق هذا المخطط.
وفيما يخص تنفيذ بنود المرحلة الثانية من الخطة المقترحة وتشكيل لجنة برئاسة الدكتور علي شعث لإدارة قطاع غزة، أوضح صافي أن هذه المرحلة تواجه تحديات وصعوبات كبيرة نتيجة الخلافات بين الأطراف المعنية، مبينًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعمل على عرقلة التقدم لتحقيق أهداف استراتيجية تتعلق بتهجير السكان عبر منع دخول المساعدات والضغط المعيشي، متذرعًا بقضايا نزاع السلاح واستعادة الأسرى لتعطيل المسار الإغاثي وإعادة الإعمار.
ويرى أن إسرائيل لا تملك نية فعلية للانسحاب من قطاع غزة، حيث يسيطر جيشها حاليًا على أكثر من 56% من مساحة القطاع، ويربط أي انسحاب بملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، مما يعقد المشهد الميداني والسياسي بشكل أكبر.
وأشار صافي إلى أهمية الضغوط الدولية والإقليمية، لا سيما الدور المصري والوساطة القطرية والتركية، في دفع الأطراف لتنفيذ تفاهمات شرم الشيخ، مشددًا على أن تحقيق الهدوء والاستقرار في قطاع غزة يمثل ركيزة أساسية لنجاح المرحلة الثانية، خاصة بعد حرب الإبادة والعدوان الذي استمر لأكثر من عامين وخلف آلاف الشهداء والجرحى ودمر ما يزيد عن 80% من البنية التحتية للقطاع.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أعلن قبوله دعوة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وأنه سينضم كعضو في "مجلس السلام"، بحسب بيان صادر عن مكتبه.
وكان عدد من القادة والمسؤولين، يتقدمهم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وقعوا، الخميس، وعلى هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ميثاق المشاركة في أول "مجلس سلام" لإدارة قطاع غزة.
ودعا ترامب، الذي سيترأس المجلس، عشرات من قادة العالم للانضمام إليه، معتبرًا أن المجلس سيسهم في معالجة تحديات عالمية أخرى، إلى جانب التعامل مع وقف إطلاق النار الهش في غزة، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا يهدف لأن يكون بديلًا عن الأمم المتحدة.
وكانت إدارة الرئيس الأمريكي طلبت من الدول الراغبة في الحصول على مقعد دائم في المجلس المقترح المساهمة بما لا يقل عن مليار دولار.
وبحسب مسودة ميثاق "مجلس السلام"، يتولى ترامب رئاسة المجلس بصفته أول رئيس له، مع احتفاظه بحق دعوة الأعضاء، على أن تُتخذ القرارات بأغلبية الأصوات، بحيث يكون لكل دولة عضو صوت واحد، مع خضوع جميع القرارات لموافقة رئيس المجلس.