وأثار هذا الرفض تساؤلات عدة بشأن الأسباب والدوافع الأوروبية، والتي قال المراقبون إنها ترتبط بالخلافات الحادة بينها أوروبا والولايات المتحدة في العديد من الملفات، بما في ذلك ملف "غرينلاند"، وكذلك محاولة التملص من التبعية الأمريكية في كل الملفات.
وقال رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إن قادة الاتحاد الأوروبي لديهم شكوك جدية بشأن عدد من بنود ميثاق مجلس السلام، الذي اقترحه ترامب، موضحا أن هذه الشكوك تتعلق بنطاق عمل المجلس وحوكمته ومدى توافقه مع ميثاق الأمم المتحدة.
واعتبر الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، أن مبادرة "مجلس السلام" التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تسببت بمزيد من الانقسامات في أوروبا، حيث امتنعت غالبية دول الاتحاد الأوروبي عن المشاركة في المجلس.
وقال فوتشيتش على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: "لقد أدى مجلس السلام قبل أي شيء إلى مزيد من الانقسام في أوروبا، وغالبية دول الاتحاد الأوروبي إما لم تشارك فيه أو لم تُعرب بعد عن رأيها.. يقول البعض إنها هيئة موازية للأمم المتحدة، لكنني لست متأكدًا بشأن ذلك، ولا أعتقد أن هذا يمكن أن يحدث".
وأشار إلى أن دول مثل الصين اكتفت بالإشارة إلى تلقيها دعوة للانضمام إلى "مجلس السلام"، في حين لم تشارك دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، مضيفًا "سنرى ما هي أهداف المجلس".
خلاف أمريكي أوروبي
قال الدكتور حسين الديك، خبير الشؤون الإسرائيلية، إن عدم حضور الدول الأوروبية وعضويتها في مجلس السلام يعود بالدرجة الأولى إلى وجود خلافات حادة مع الإدارة الأمريكية، وتحديدا مع الرئيس ترامب، مشيرا إلى أن ترامب يسعى لجعل هذا المجلس بديلا عن النظام الدولي والقانون الدولي وهيئة الأمم المتحدة وميثاقها، وهو ما دفع الدول الأوروبية للعزوف عن المشاركة فيه.
وأكد في حديثه لـ "سبوتنيك"، أن عددا من الدول الأوروبية عللت موقفها بعدم مشاركة السلطة الوطنية الفلسطينية وغياب أي تمثيل للفلسطينيين في المجلس، معتبرًا أن غياب ممثل الشعب الفلسطيني يفقد المجلس شرعيته السياسية والدولية.
وأوضح أن هذه المواقف الأوروبية تأتي في ظل توترات أخرى شملت الخلافات حول "غرينلاند" وتصريحات ترامب المعادية للأوروبيين، والتي وصلت إلى حد مهاجمة بعض الدول الأوروبية.
وأضاف الديك أن المنطقة والعالم على أبواب مرحلة جديدة قد تذهب بأوروبا نحو إعادة تموضع استراتيجي في علاقاتها مع الولايات المتحدة، والبحث عن سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن تعزز روابطها مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا، مضيفًا: "الموقف الأمريكي الحالي يمثل نوعاً من التحول الجيوسياسي والجيواستراتيجي الذي جعل المواقف الأوروبية أكثر قربا من الحقوق الفلسطينية".
وأشارك الديك إلى أن أسباب عدم المشاركة الأوروبية تتنوع بين عوامل داخلية تخص الأوروبيين أنفسهم، وأخرى تتعلق بطبيعة السياسة الأمريكية، بالإضافة إلى غياب الحضور الفلسطيني في المجلس، مؤكدا أن أوروبا تسعى لرفض الانصياع الكامل للمواقف الأمريكية.
تحفظات جوهرية
بدوره قال ثائر نوفل أبو عطيوي، مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات في فلسطين، إن اعتراف الكثير من دول الاتحاد الأوروبي بالدولة الفلسطينية ينطلق من قناعاتها السياسية الراسخة بضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وفقاً للقوانين والمواثيق الصادرة عن الأمم المتحدة.
وأكد في حديثه لـ "سبوتنيك" أن غياب العديد من دول الاتحاد الأوروبي عن عضوية مجلس السلام الذي تزعمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعود إلى تحفظات أوروبية جوهرية على ماهية المجلس وآليات عمله وإدارته للشأن الفلسطيني.
وأضاف أن الدول الرافضة للمشاركة ترى في هذا المجلس جسما موازيا لمنظمة الأمم المتحدة، يهدف في جوهره إلى تغييب بل إنهاء دورها الدولي، مستشهدا بتصريحات الأمانة العامة للأمم المتحدة التي أكدت ضرورة دراسة طبيعة هذا المجلس وعلاقته بالمنظمة الدولية.
وأوضح أن دولاً أوروبية بارزة مثل النرويج والسويد وإيطاليا وفرنسا أعربت عن رفضها القاطع للمشاركة، معتبرة أن الانضمام لمجلس يقوده زعيم دولة واحدة يمثل خرقا للقانون الدولي ودساتيرها الوطنية، ويسمح بتأثير مفرط في إدارة النزاعات الدولية خارج إطار المؤسسات الأممية.
وأضاف أن الحلفاء الأوروبيين لواشنطن يعملون حاليا على محاولة تعديل بنود المجلس، ويسعون لإقناع الدول العربية بالضغط على الرئيس ترامب لإجراء تغييرات هيكلية عليه.
وأشار مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات إلى أن الاتحاد الأوروبي أبدى شكوكا جدية حيال المجلس، رغم إبدائه استعدادا مشروطا للتعاون مع واشنطن إذا ما احترمت المعايير الدولية، وأكد أن موقف مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ربط إمكانية العمل مع مجلس السلام باقتصار مهامه على قطاع غزة وإعادة تأهيله وإعماره فقط.
وأضاف أبو عطيوي أن التخوفات الأوروبية ورفض المشاركة يأتيان في سياق الخشية من الهيمنة الأمريكية والتفرد بصناعة القرار الدولي المتعلق بمجلس الأمن، مؤكدا أن أوروبا ترفض أن يكون هذا المجلس بديلاً عن هيئة الأمم المتحدة أو أداة لتجاوز الشرعية الدولية.
و"مجلس السلام" هو هيئة كانت تهدف في الأصل لإدارة قطاع غزة في إطار خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب بين حركة "حماس" وإسرائيل، إلا أن ميثاق المجلس الذي كشفت عنه الإدارة الأمريكية يصف مجلس السلام بأنه "منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات عبر العالم"، وهو ما أثار المخاوف لدى العديد من الدول من أن الأمر قد يؤثر سلبا على عمل الأمم المتحدة وأيضا على التوازنات الدولية القائمة.