هذا الموقف أعاد الجدل حول حدود التأثير الخارجي في القرار السياسي العراقي، وما يترتب عليه من تداعيات سياسية واقتصادية، في وقت تمر فيه البلاد بمرحلة حساسة تتطلب التوازن بين الحفاظ على السيادة الوطنية ومراعاة تعقيدات العلاقات الدولية ومصالح الدولة العليا.
صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء الموافق 27 كانون الثاني/يناير 2026، لهجته تجاه المشهد السياسي في العراق، ملوّحاً بوقف الدعم الأمريكي في حال المضي بتكليف نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة العراقية المقبلة.
وجاء هذا الموقف بعد أيام من إعلان قوى الإطار التنسيقي اختيار المالكي مرشحاً لمنصب رئيس مجلس الوزراء، بقرار أُقرّ بالأغلبية خلال اجتماع عُقد يوم السبت 24 كانون الثاني/يناير 2026.
تدخل أمريكي "واضح"
واعتبر المراقب السياسي عبد الستار العيساوي، أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن العملية السياسية في العراق أربكت المشهد السياسي، وأسهمت في قطع الطريق أمام ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لولاية ثالثة، واصفاً تلك التصريحات بأنها تمثل تدخلاً مباشراً في الشأن العراقي.
وقال العيساوي، في حديث لـ "سبوتنيك"، إن ترامب عبّر في تغريدة له عن موقف رافض لانتخاب المالكي، معتبراً ذلك "خطأً فادحاً" بحق العراق، الأمر الذي قد يدفع المالكي إلى إعلان انسحابه من الترشيح، بدافع الحفاظ على السيادة الوطنية واحتراماً للعراق، بحسب تعبيره.
وأضاف أن المواطنين العراقيين يرفضون بشكل قاطع أي تدخلات خارجية في الشأن الداخلي للبلاد، مؤكداً أن العراق دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، ولا يجوز المساس بقراره الوطني المستقل.
وأشار العيساوي إلى أن ترامب يتصرف وكأنه "نصّب نفسه وصياً على العالم"، لافتاً إلى ممارساته الأخيرة في عدد من الدول، ومنها ما جرى في فنزويلا، محذراً من محاولات توسيع هذا النهج ليشمل دولاً أخرى.
وبيّن أن الولايات المتحدة تعتمد على قوتها العسكرية والنفوذ السياسي لفرض إرادتها، وهو ما ينعكس سلباً على استقرار الدول وتوجهات شعوبها، مؤكداً أن هذا الأسلوب مرفوض شعبياً وسياسياً.
وختم العيساوي بالقول إن الأوساط السياسية، ولا سيما قوى الإطار التنسيقي، قد تتجه إلى تحركات شعبية ومظاهرات رافضة للتدخلات الأجنبية، مشدداً على أن اختيار القيادات السياسية في العراق شأن داخلي يخص العراقيين وحدهم وحكومتهم المنتخبة.
بدوره، رد المالكي على ما وصفه بـ”الفيتو الأمريكي”، مؤكداً رفضه القاطع لأي تدخل خارجي في الشأن السياسي العراقي، ومعتبراً أن الموقف الأمريكي يشكّل انتهاكاً واضحاً لسيادة البلاد وتجاوزاً على الآليات الديمقراطية التي أُرست بعد عام 2003، فضلاً عن كونه تدخلاً مباشراً في قرار الإطار التنسيقي بشأن اختيار مرشحه لرئاسة الحكومة.
الإطار التنسيقي أمام خيار صعب
في المقابل، أكد الخبير القانوني والمحلل السياسي ماجد الحسناوي، في حديث لـ "سبوتنيك"، أن ملف اختيار رئيس الوزراء بات يضع الإطار التنسيقي في موقف حرج، في ظل الاعتراض الأمريكي على بعض الأسماء المطروحة، محذراً من تداعيات سياسية واقتصادية قد يتحملها المواطن العراقي في حال استمرار الأزمة.
ووفقاً للحسناوي، فإن السيناريوهات المطروحة حالياً تنحصر بين خيارين أساسيين، أولهما إقدام الإطار التنسيقي على تغيير مرشحه نوري المالكي، وهو احتمال وصفه بالضعيف، أو الاتجاه نحو طرح مرشح تسوية يحظى بقبول داخلي وخارجي، معتبراً أن هذا الخيار هو الأقرب للواقع.
وأضاف أن الإطار التنسيقي يمرّ بمرحلة حساسة نتيجة الضغوط السياسية المتزايدة، لافتاً إلى أن الاستجابة للرسائل الخارجية لا ينبغي أن تكون على حساب كرامة العراق وسيادته، إلا أن تجاهلها بالكامل قد يضع البلاد أمام تحديات أكبر.
وأشار الحسناوي إلى أن استمرار الخلافات قد يفتح الباب أمام ضغوط اقتصادية وعقوبات محتملة، تنعكس آثارها بشكل مباشر على المواطن العراقي، محذراً من أن الشعب سيكون المتضرر الأول من أي تصعيد سياسي أو دولي.
وشدد على ضرورة تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، داعياً الإطار التنسيقي إلى تحمّل مسؤولياته الوطنية واتخاذ قرار يجنّب العراق مزيداً من الأزمات، ويضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي في المرحلة المقبلة.
وختم الحسناوي، حديثه بالقول إن تغيير رئيس الوزراء أو الذهاب نحو مرشح توافقي قد يكون المخرج الأنسب لتجاوز هذا المنعطف، والحفاظ على مصالح الدولة والشعب العراقي.
الاقتصاد العراقي في خطر
وعلى الصعيد الاقتصادي، حذّر علاء خضير، خبير اقتصادي، من أن أي تدهور في علاقات العراق مع الولايات المتحدة أو عدم التوافق مع القرار الدولي قد تكون له انعكاسات خطيرة على الوضع الاقتصادي والمعيشي في البلاد.
وقال خضير، في حديث لـ "سبوتنيك"، إن الاقتصاد العراقي يرتبط بشكل مباشر بالمنظومة المالية الدولية، لا سيما ما يتعلق بعائدات النفط وآليات التحويلات المالية الخاضعة للنظام المالي الأمريكي، مشيراً إلى أن أي خلل في هذه العلاقة قد يؤدي إلى تعقيدات كبيرة في إدارة الموارد المالية للدولة.
وأوضح أن الولايات المتحدة تُعد لاعباً رئيسياً في القرار الدولي، وأن استمرار التوتر معها قد يفتح الباب أمام ضغوط خارجية تطال الشعب العراقي بشكل مباشر، سواء عبر القيود على حركة الأموال أو التأثير على صادرات النفط والواردات الأساسية.
وأضاف العيساوي أن العراق يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته، محذراً من أن أي تعطيل في التدفقات المالية قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية وتراجع القدرة على دفع الرواتب وتوفير الخدمات.
وأكد أن العلاقات الدولية، في عالم المصالح، لا تُدار على أساس الصداقة بقدر ما تُبنى على التوازن والحاجة المتبادلة، مشدداً على ضرورة التعامل بواقعية سياسية واقتصادية تحمي مصالح العراق وتجنّبه الدخول في أزمات أعمق.
وختم العيساوي بالقول إن الحفاظ على استقرار العلاقة مع الولايات المتحدة والمنظومة المالية العالمية بات أمراً ضرورياً لتأمين الاستقرار الاقتصادي والمعيشي، داعياً إلى قراءة دقيقة لمعادلات القوة والمصلحة في المرحلة الراهنة.
وقبل ساعات من تصريحات ترامب، كان مبعوثه إلى العراق، مارك سافايا، قد دعا إلى الاستعداد لما سمّاه "مواجهة أزمة الفساد في العراق"، متحدثاً في الوقت ذاته عن وجود فريق أمريكي ميداني يعمل على منع قوى مسلحة مدعومة من إيران من الوصول إلى السلطة، في سياق الجهود المرتبطة بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة.