وبحسب الدراسة المنشورة في دورية جمعية القلب الأمريكية، فإن ظهور أمراض القلب، لا سيما مرض الشريان التاجي، يحدث لدى الرجال قبل النساء بعدة سنوات، بحسب ما ذكر موقع "نيوز ميديكال".
واعتمدت الدراسة على بيانات بحث "تطور خطر الشرايين التاجية لدى الشباب"، وهو مشروع طويل الأمد شمل بالغين في الولايات المتحدة تراوحت أعمارهم بين 18 و30 عامًا عند بدء المتابعة خلال عامي 1985 و1986، واستمرت حتى أغسطس/آب 2020، ما أتاح تتبع تطور أمراض القلب والأوعية الدموية منذ مرحلة الشباب المبكر وحتى منتصف العمر.
فروق تراكمية واضحة
شملت التحليلات 5112 مشاركًا، شكّلت النساء نسبة 54.5% منهم، فيما بلغ الأمريكيون من أصول أفريقية 51.6% من العينة.
وبلغ متوسط العمر عند بداية الدراسة 24.8 عامًا، في حين وصلت مدة المتابعة المتوسطة إلى 34.1 سنة.
وخلال فترة المتابعة، سجّل الرجال معدلات تراكمية أعلى للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية مقارنة بالنساء، مع زيادة واضحة في معدلات الإصابة بمرض الشريان التاجي وفشل القلب، مقابل عدم وجود فروق ملحوظة بين الجنسين في ما يتعلق بالسكتة الدماغية.
وأظهرت النتائج أن الرجال بلغوا نسبة إصابة تراكمية قدرها 5% بأمراض القلب والأوعية الدموية قبل النساء بنحو سبع سنوات، عند متوسط عمر 50.5 عامًا مقابل 57.5 عامًا لدى النساء.
كما وصل الرجال إلى نسبة إصابة قدرها 2% بمرض الشريان التاجي قبل النساء بأكثر من عشر سنوات.
في المقابل، لم تسجل فروق ذات دلالة إحصائية بين الجنسين في العمر المرتبط بنسبة إصابة قدرها 2% بالسكتة الدماغية أو بنسبة 1% للإصابة بفشل القلب.
بداية مبكرة للفجوة
وأشار الباحثون إلى أن الفروق بين الرجال والنساء في أمراض القلب تبدأ بالظهور بوضوح خلال العقد الرابع من العمر، وتستمر حتى بعد الأخذ في الاعتبار الفروق في مؤشرات الصحة القلبية التقليدية.
وقالت المؤلفة الرئيسية للدراسة، أليكسا فريدمان، الباحثة في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن، إن الفروق في خطر الإصابة بأمراض القلب تصبح واضحة بحلول سن 35 عامًا، مؤكدة أهمية البدء المبكر في تقييم عوامل الخطر ووضع استراتيجيات وقائية في مرحلة البلوغ المبكرة، لما لذلك من دور في تحسين صحة القلب على المدى الطويل لدى الجنسين.
تفسيرات متعددة للفروق
لا يُعرف سبب واحد محدد لهذه الفروق، إذ يرى الباحثون أنها ناتجة عن تداخل عوامل بيولوجية وهرمونية وسلوكية، إلى جانب اختلاف أنماط التعرض لعوامل الخطر منذ سن مبكرة، ضمن مسار تراكمي طويل يبدأ في مرحلة الشباب.
وبيولوجيًا، يلعب هرمون الإستروجين لدى النساء، خصوصًا قبل انقطاع الطمث، دورًا وقائيًا نسبيًا للأوعية الدموية، من خلال تحسين مرونة الشرايين وتنظيم مستويات الدهون وتقليل الالتهاب.
في المقابل، يفتقد الرجال هذا التأثير الوقائي، ما يجعلهم أكثر عرضة لتصلب الشرايين في سن أبكر، قبل أن تبدأ الفجوة في التضاؤل مع تراجع مستويات الإستروجين لدى النساء بعد سن اليأس.
كما تشير الدراسات إلى اختلافات في توزيع الدهون ووظائف الأيض بين الجنسين، إذ يميل الرجال إلى تراكم الدهون الحشوية المرتبطة بارتفاع ضغط الدم ومقاومة الإنسولين واضطرابات الكوليسترول، مقارنة بالدهون تحت الجلد الأكثر شيوعًا لدى النساء في سن الإنجاب.
عوامل سلوكية وضغوط نفسية
وتسهم العوامل السلوكية ونمط الحياة في تعميق هذه الفروق، حيث يسجل الرجال معدلات أعلى من التدخين واستهلاك الكحول والانخراط في سلوكيات عالية الخطورة، إلى جانب ضعف الالتزام بالفحوصات الطبية الدورية وتأخير طلب الرعاية الصحية.
ولا يغيب الدور النفسي والاجتماعي عن هذه المعادلة، إذ يرتبط الإجهاد المزمن وطبيعة بعض الأعمال الشاقة أو عالية التوتر بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، في ظل تعرض الرجال لضغوط مهنية واقتصادية في سن مبكرة.
كما تشير أبحاث حديثة إلى فروق جينية وتنظيمية في استجابة الجسم لعوامل الخطر القلبية بين الجنسين، بما في ذلك الالتهاب ووظيفة بطانة الأوعية الدموية، ما يعزز الحاجة إلى مقاربة شاملة للوقاية تأخذ في الاعتبار الفروق البيولوجية والسلوكية والنفسية بين الرجال والنساء.