غياب سيف الإسلام القذافي.. فرصة للمصالحة في ليبيا أم عامل جديد لتعميق الانقسام؟

تعود المصالحة الوطنية في ليبيا إلى واجهة النقاش العام من جديد، باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لإنهاء حالة الانقسام السياسي والاجتماعي الممتدة منذ أكثر من 10 سنوات.
Sputnik
وبينما تتقاطع المبادرات المحلية والدولية حول هذا المسار، يأتي موت سيف الإسلام معمر القذافي، ليطرح تساؤلات جديدة حول تأثير غياب أحد أبرز رموز مرحلة ما قبل 2011 على فرص التوافق الوطني، وحدود إعادة إدماج أنصار النظام السابق في المشهد السياسي والاجتماعي، فهل يشكّل هذا الحدث نقطة تحوّل في مسار المصالحة، أم أنه عامل إضافي قد يعمّق الانقسامات ويعيد إنتاج الاستقطاب؟

ظروف متغيرة

قال الأكاديمي الليبي، راقي المسماري، إن "مسار المصالحة الوطنية، وخلال فترة قريبة جدا، كان يعد أحد مسارات الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، إذ شهد مشاركة ممثلين عن تيار النظام السابق. وقد التف أنصار هذا التيار حول الراحل، سيف الإسلام معمر القذافي، باعتباره ممثلا سياسيا لهم، وشكّلوا فرقا متعددة ضمن هذا الإطار، شملت الجوانب السياسية والقانونية والإعلامية، وجميعها كانت تعمل تحت مظلة ممثل التيار".

وأضاف في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "ممثلي تيار النظام السابق جرى استدعاؤهم أكثر من مرة ضمن المسار المهيكل الخاص بملف المصالحة، وتم تمثيلهم فعليا عبر أحد المشايخ المحسوبين على التيار، وقبل ذلك، كان لهذا التيار ممثلون في ملف المصالحة على مستوى الاتحاد الأفريقي، كما كان لهم حضور سابق ضمن المجلس الرئاسي".

وتابع المسماري أن "هذا يؤكد وجود طرف كان حاضرا وفاعلا، ويعد جزءا من مسار المصالحة، غير أن اغتيال زعيم هذا التيار لا يعني بالضرورة أنه كان مجرد ورقة سياسية أو رمز عابر"، واستدل على ذلك بأن "أنظمة الحكم السابقة في دول مثل مصر وتونس طُويت بعد الثورات، وأن الانتقال من نظام إلى آخر تحكمه ظروف متغيرة، ويتم المضي فيه وفق الرغبة الشعبية التي طالبت بالتغيير، فضلا عن وجود إرادة دولية شاركت في دعم تلك التحولات".
ليبيا... تغيير مكان جنازة سيف القذافي في بني وليد
وأشار المسماري إلى أن "وفاة سيف الإسلام تؤثر بلا شك في المشهد، إذ إن أتباع النظام السابق يمرون بحالة من الارتباك، لغياب من كان يمثلهم في الملف السياسي، وزاد من تعقيد هذا الغياب أنه جاء بطابع جنائي، إذ جرى اغتياله غدرا وبطريقة شهدها الجميع، ما يجعل من غير المرجح أن تكون مشاركتهم في ملف المصالحة قريبة، نظرا لاحتمال انشغالهم بإعادة ترتيب أوراقهم وأولوياتهم".
وتابع الأكاديمي الليبي، راقي المسماري، أن "غياب سيف الإسلام قد يُسهم إما في تهدئة حدة الاستقطاب أو في زيادة حالة الاحتقان"، لافتا إلى أن "تشييع جثمانه شهد تجمعا بشريا كبيرا، عكس حجم التضامن الشعبي معه، خاصة في ظل الطبيعة القبلية للمجتمع الليبي، القائم على قيم التضامن والانتصار للروابط الاجتماعية، إضافة إلى حالة الصدمة التي خلّفتها طريقة القتل، إذ إن المجتمع الليبي يرفض تصفية الخصوم بهذه الطريقة".
وقال إن المسألة بالغة الحساسية، ولا يعتقد أن ممثلي تيار النظام السابق سوف ينخرطون في أي مسار مصالحة بشكل سريع. معتبرا أن "ملف المصالحة قد يكون تعرض لضربة قوية، إذ من المرجح أن يعيد هذا التيار حساباته، ويطرح شروطه، ويطالب بإجراء تحقيقات نزيهة وشفافة، ومحاكمات عادلة بشأن ما حدث".

أجندات وانقسامات

ومن جانبه، يرى المحلل السياسي الليبي، عبد الله الديباني، أن "الواقع الراهن لمسار المصالحة الوطنية في ليبيا يعبّر عن حالة من الجمود والتحرك المتذبذب، وذلك نتيجة تصارع الأجندات السياسية، واستمرار الانقسامات الإقليمية والدولية، إلى جانب وجود ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة".

وأضاف الديباني في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "مسار المصالحة يواجه جملة من التحديات الجوهرية، في مقدمتها ضعف المؤسسات الوطنية، إذ لا تزال مؤسسات الدولة المركزية، مثل البرلمان والحكومة والأجهزة الأمنية، تعاني هشاشة واضحة تحدّ من قدرتها على تنفيذ أي اتفاقات مصالحة أو ضمان احترامها على أرض الواقع".

كما أشار إلى أن "الانقسام الجغرافي والسياسي، واستمرار وجود سلطتين في الشرق والغرب، يضعف فرص التفاهم ويعقّد جهود توحيد المؤسسات".
وأضاف أن "تداخل التدخلات الأجنبية، ولا سيما الأدوار التنافسية لبعض القوى الإقليمية، يسهم في تعميق الانقسام ويستنزف فرص التوافق الوطني، فضلا عن غياب الثقة بين الأطراف الليبية، إذ يشكك كثير من الفرقاء في جدية بعضهم بعضا، ما يجعل أي اتفاق عرضة للانهيار السريع".
الدبيبة يحذر من "خطر أحمر" في أول تعليق على اغتيال سيف الإسلام القذافي
واعتبر الديباني أن "هذه التحديات تعكس فشل نماذج المصالحة السابقة التي لم تستند إلى هيكلة أمنية وسياسية قوية تُلزم جميع الأطراف باحترام الاتفاقات"، مؤكدا أن "تعزيز دور المؤسسة العسكرية وتنظيمها قد يشكل أحد المفاتيح الأساسية للتقدّم نحو مصالحة أكثر استقرارا".
وفي ما يتعلق بسيف الإسلام معمر القذافي، أوضح الديباني أنه "كان يُنظر إليه من قبل بعض القوى السياسية بوصفه ورقة رمزية يمكن أن تسهم في جذب بعض الدوائر في شمال وجنوب ليبيا، نظرا لارتباطه بإرث مرحلة ما قبل عام 2011، كما أنه اعتُبر رمزا لشرائح من المجتمع الليبي التي لم تنقطع عن ولائها لأسرة القذافي أو لنهجها، واستُخدم اسمه في بعض الأحيان كأداة تفاوضية لاستقطاب قواعد شعبية أو لتحقيق توازنات سياسية مؤقتة".
وشدد الديباني على أن "وجود سيف الإسلام لم يكن كفيلا بتحقيق حلول سياسية شاملة، لكونه شخصية مثيرة للانقسام، وارتباطه بماضي النظام السابق كان يعيق قبوله على نطاق واسع بوصفه شخصية جامعة أو مرشحا لوحدة وطنية".
ورأى أن "الاعتماد على شخصيات رمزية مثل، سيف الإسلام القذافي، كورقة للمصالحة كان خيارا قصير النظر، لأنه لم يؤسس لآلية شاملة للاستقرار، بل اقتصر على استثمار رموز شخصية دون بناء مؤسسات قوية تقود مسار المصالحة".
وحول تداعيات رحيل سيف الإسلام القذافي، أشار عبد الله الديباني إلى أن "غياب شخصية رمزية من هذا النوع قد يفضي إلى تأثيرين متقاطعين، فمن جهة، قد يُسهم ذلك في تعزيز فرص المصالحة، إذ قد يشعر بعض أنصار النظام السابق بأن غياب الشخصية المحورية يفتح المجال لإعادة تقييم خياراتهم والانخراط في المسار السياسي، كما يمكن أن يخفف من المناخ العاطفي والرمزي الذي كان يعيق قبول بعض الأطراف بالمشاركة في مشاريع وطنية جامعة، ومن جهة أخرى، قد يؤدي الغياب إلى حالة من الانكفاء أو التوتر، إذ قد يشعر آخرون بالفراغ أو الاستفزاز، ما يدفعهم إلى التراجع عن الانخراط السياسي، أو البحث عن رموز بديلة تعيد تعبئتهم داخل الصراع".
واعتبر المحلل السياسي الليبي، أن "غياب القائد الرمزي يتيح فرصة لتحويل النقاش من التركيز على الأشخاص إلى التركيز على مضمون المصالحات وإصلاح المؤسسات، بما يحدّ من الأدوات التي يستخدمها دعاة الانقسام لتعطيل التقدم السياسي".
وأكد على أن "غياب هذه الشخصية الجدلية قد يسهم في تهدئة الاستقطاب إذا ما جرى استثماره سياسيا بشكل صحيح، من خلال إزالة أحد أبرز مصادر الاحتقان الرمزي، وفتح المجال أمام حوار قائم على برامج وطنية واضحة، ودعم مؤسسات الدولة، وإنهاء الميليشيات، وتوحيد القوات المسلحة".
لكنه حذر في المقابل من أن "سوء إدارة هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام توترات جديدة أو صراعات على زعامة بديلة. وخلص إلى أن هذه اللحظة تمثل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أولويات السياسة الليبية، بالتركيز على الهوية الوطنية وسيادة الدولة وإعادة بناء المؤسسات، بعيدا عن الانقسام حول شخصيات مثيرة للجدل، بما يدفع مسار المصالحة نحو مقاربات واقعية وعملية بدل الرمزية".
في وقت سابق من يوم الثلاثاء الماضي، قال مصدر خاص في تصريح حصري لوكالة "سبوتنيك"، إن "عملية اغتيال سيف القذافي وقعت داخل الاستراحة التي كان يقيم بها في مدينة الزنتان، وذلك إثر هجوم مسلح استهدف الموقع"، مضيفًا أن "جثمان سيف الإسلام ما زال موجودا في مستشفى الزنتان العام".
وتعاني ليبيا من نزاع بين حكومتين، واحدة منحها البرلمان المنعقد في طبرق، أقصى شرقي البلاد، ثقته، والثانية حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن اتفاقات سياسية رعتها الأمم المتحدة، ويترأسها عبد الحميد الدبيبة، الذي يرفض تسليم السلطة، إلا عبر انتخابات.
مناقشة