الوضع الاقتصادي في ليبيا قبيل رمضان بين استقرار نسبي وارتفاع تكاليف المعيشة

مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك تتجه أنظار الليبيين إلى الأسواق ومستوى الأسعار في ظل أوضاع اقتصادية تتأرجح بين مؤشرات استقرار نسبي وتحديات معيشية متزايدة.
Sputnik
ففي وقت يؤكد فيه خبراء استمرار تدفق عائدات النفط وتحسن توفر السلع تفرض معدلات التضخم وارتفاع الأسعار ضغوطا كبيرة على دخل المواطن، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة السياسات الاقتصادية الحالية على تحقيق توازن فعلي بين الاستقرار المالي وتحسين مستوى المعيشة.
وحول هذا الموضوع، قال المستشار الاقتصادي وحيد الجبو، في تصريحات خاصة لوكالة "سبوتنيك"، إن الوضع الاقتصادي في ليبيا يعد مستقرا نسبيا في الوقت الراهن، موضحا أن إنتاج النفط لا يزال عند مستوى يقارب مليونا و250 ألف برميل يوميا، مؤكدا أن الاقتصاد الليبي ما زال اقتصادا ريعيا يعتمد بشكل أساسي على النفط الذي يمثل نحو 90 في المئة من دخل الدولة.
ليبيا... رامي عميش وقصة عشق العملات والطوابع من الهواية إلى حفظ الذاكرة.. فيديو وصور
وأوضح الجبو أن المطلوب في المرحلة القادمة هو تنويع مصادر الدخل وتنويع القاعدة الاقتصادية من خلال استغلال عائدات النفط في إقامة مشروعات زراعية وصناعية، إضافة إلى مشروعات سياحية وإنشاء مناطق حرة وتفعيل تجارة العبور وإطلاق العديد من المشروعات التي تسهم في إدخال العملة الصعبة إلى البلاد، واعتبر أن هذه الخطوات تمثل الحل الحقيقي لبناء اقتصاد وطني قوي وتحسين مستوى المعيشة ومحاربة البطالة.
وأشار إلى أن الفترة الماضية شهدت جدلا واسعا حول توحيد سعر الصرف، لافتا إلى أن الدينار الليبي تعرض لهبوط حاد خلال السنوات الأخيرة ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم.
وأضاف أن تدخل وزارة الاقتصاد أسهم في الحد من هذه التداعيات من خلال تحديد أسعار السلع بما يتناسب مع سعر صرف الدولار إلى جانب ترشيد الاعتمادات المستندية بحيث تقتصر على استيراد السلع الأساسية والمطلوبة.
كما أوضح أن مصلحة الجمارك قامت بدورها في مراقبة هذه الاعتمادات والتاكد من استيراد السلع المخصصة لها، الأمر الذي أسهم في توفر البضائع بكميات كبيرة في السوق الليبي وتحقيق قدر من الاكتفاء في احتياجات المواطنين سواء خلال شهر رمضان أو بعده.
بين كسر الجمود وإعادة النفوذ... ماذا تريد الولايات المتحدة من ليبيا؟
ورغم هذا التحسن أكد الجبو أن مشكلة ارتفاع الأسعار لا تزال قائمة، إلى جانب الحاجة إلى تحسين مستوى دخل المواطن الليبي ليواكب هذه الزيادة وبين أن الوضع الاقتصادي بشكل عام يعد مستقرا، معربا عن الأمل في أن يرتفع إنتاج النفط خلال السنوات المقبلة إلى مليوني برميل يوميا، ما سينعكس ايجابا على أداء الاقتصاد الليبي ويمكن الدولة من الإيفاء بالتزاماتها تجاه الشعب وتفادي العجز في الميزانية العامة كما حدث في فترات سابقة.
وتطرق الجبو إلى أهمية تطوير وترشيد الاعتمادات وتنمية الموارد البشرية وتحسين مستوى دخل المواطنين ونقل ليبيا من اقتصاد ريعي يعتمد على سلعة واحدة، إلى اقتصاد متنوع قائم على عدة انشطة اقتصادية تدر إيرادات مستدامة للدولة.
وفي السياق ذاته أعرب عن أمله في أن يشهد شهر رمضان المبارك استقرارا اقتصاديا، مشيرا إلى وجود تكافل بين منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية لمساعدة الأسر الفقيرة والمعوزة التي تحتاج إلى دعم مادي خلال هذا الشهر.
مصرفي يوضح لـ"سبوتنيك".. هل تنجح المصارف الإسلامية في دعم الاقتصاد في ليبيا؟
وختم الجبو تصريحاته بالتأكيد على أن إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي وإجراء اصلاحات اقتصادية شاملة أمر ضروري ولا بد منه، موضحا أن هذا الملف مرتبط بشكل وثيق بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، باعتبار أن الاستقرار السياسي يمثل المدخل الاساسي لتحسين الأوضاع الاقتصادية وإعادة النظر في هيكلة الاقتصاد الليبي ليصبح اقتصادا انتاجيا لا استهلاكيا.
وفي ذات السياق قال الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الكاديكي في تصريحات خاصة لوكالة "سبوتنيك"، إن الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطن الليبي قبيل شهر رمضان يشهد تغيرا اقتصاديا كبيرا يتمثل في ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأسعار وهو ما يعود إلى جملة من السياسات النقدية المتبعة من مصرف ليبيا المركزي.
واوضح الكاديكي أن من أبرز العوامل المؤثرة على الاقتصاد الليبي التغيرات الحاصلة في البيئة الاقتصادية العالمية حيث تأثرت دول العالم بموجات من التحولات الاقتصادية والمناخية إضافة إلى التداعيات التي أعقبت جائحة كورونا والتي دفعت العديد من الدول والأفراد إلى التركيز على الاكتناز والاحتفاظ بالعملات والسيولة المالية تحسبا للازمات والكوارث المستقبلية.
مسؤولون ليبيون يكشفون لـ"سبوتنيك" موقف ليبيا من المبادرة التونسية
وأشار إلى أن ليبيا تعد حالة استثنائية في وضعها الاقتصادي نتيجة الانقسام السياسي وعدم الاستقرار الحكومي الأمر الذي انعكس سلبا على أداء مصرف ليبيا المركزي ولا سيما من خلال قرارات أسهمت في خفض قيمة الدينار الليبي مقابل الدولار.
وبين الكاديكي أن التحديات الاقتصادية الأخيرة أثرت بشكل مباشر على السياسة النقدية للمصرف المركزي الذي اتخذ مجموعة من الإجراءات وصف بعضها بالخطأ الكبير وعلى رأسها سحب فئات نقدية متداولة مثل فئات الخمسين والعشرين والخمسة دنانير ما زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي.
وأكد أن هذه السياسات أسهمت في الارتفاع الكبير لأسعار المواد الغذائية وخلقت نقصا حادا في السلع الأساسية والتموينية، لا سيما بعد غياب دور الجمعيات والمؤسسات الاستهلاكية التي كانت توفر السلع المدعومة وتعد إحدى الركائز الداعمة للاقتصاد الليبي.
وأضاف أن تلك المؤسسات كانت تلعب دورا مهما في توفير السلع الأساسية خلال شهر رمضان بأسعار مناسبة، ما يساعد أصحاب الدخل المحدود على تلبية احتياجاتهم المعيشية خلال هذا الشهر.
جدل حول مستقبل السلطة القضائية في ليبيا
واختتم الكاديكي حديثه بالتأكيد على أن الاقتصاد الليبي يتاثر اليوم بجملة من العوامل الداخلية والخارجية، داعيا الحكومات إلى التدخل العاجل ودعم السلع الأساسية عبر المؤسسات المختصة بتوريدها باسعار تتناسب مع قدرة المواطن الليبي.
وبين دعوات تنويع مصادر الدخل وإصلاح السياسات النقدية ودعم السلع الاساسية خلال شهر رمضان يبقى السؤال مطروحا، هل تنجح الدولة متمثلة في مؤسساتها الاقتصادية في تحويل الاستقرار النسبي إلى تحسن ملموس في حياة المواطن الليبي أم ستظل الأزمات المعيشية تتجدد مع كل موسم ومرحلة اقتصادية جديدة
مناقشة