رمضان في تونس: عادات غذائية متوارثة وطقوس دينية متجذرة

في تونس لا يأتي شهر رمضان كضيف عابر، بل كقريب حميم يعرف البيوت واحدا واحدا، ويمر على الأزقة القديمة ويوقظ في الذاكرة الجماعية طقوسا وعادات تصر على البقاء رغم تغير الزمن.
Sputnik
فمع أول هلال، يتبدّل إيقاع الحياة في مختلف المحافظات التونسية من شمالها إلى جنوبها، حيث تزدهر الحركة في المحلات والأسواق وتتداخل الأصوات والروائح في مشهد يعكس حيوية الشهر، فيما تجتمع العائلات حول الموائد المشتركة في لحظة يومية تختصر معنى "المودّة والتقاسم".
ومع حلول الليل، تُضاء المدن بالفوانيس الرمضانية التي تضفي على الشوارع سحرا خاصا، وتتعالى أصوات التلاوة والذكر من المساجد ودور العبادة التي تعجّ بالمصلّين، في مشهد يعكس البعد الروحاني العميق للشهر.
تونس... امرأة تحيي مهنة المسحراتي في رمضان وتخالف المألوف
في هذا الشهر، تتداخل الروحانيات مع اليومي، فيتحوّل الذهاب إلى السوق إلى طقس من الطقوس بحد ذاته، وتصبح روائح الخبز والبهارات جزءا من المشهد الرمضاني، فيما تعود أطباق تقليدية إلى الواجهة لا بوصفها أطعمة فحسب بل كرموز للهوية، فالمائدة التونسية في رمضان لا تُختزل في سدّ الجوع بعد الصيام بل تعدّ مساحة للذاكرة، حيث تحضر وصفات الجدّات وتُستعاد نكهات الطفولة.
رمضان في تونس هو أيضًا زمن التضامن الاجتماعي، حيث تنشط المبادرات الخيرية، وتكثر موائد الإفطار الجماعي، وتُفتح أبواب المساجد للعبادة والذكر، في الأحياء الشعبية كما في المدن العتيقة، يتغيّر المشهد: المقاهي تغلق نهارا وتزدهر ليلا، والناس يتبادلون التهاني قبل أن يتبادلوا الأطباق.

الملسوقة… رقائق رقيقة تحفظ سر "البريك"

في السوق المركزية بمدينة نابل، لا تخطئ العين ركنا صغيرا تفوح منه رائحة العجين الساخن. هناك، تجلس فاطمة بن سالم، امرأة خمسينية، تستقبل زبائنها بابتسامة مألوفة وتبيعهم "الملسوقة"، تلك الرقائق الرقيقة(مصنوعة من الدقيق) التي ستتحوّل لاحقا إلى "بريك"، الطبق الذي لا يغيب عن موائد التونسيين في رمضان.
المدينة العتيقة في تونس تتحول إلى وجهة التونسيين المفضلة للسهر في رمضان... فيديو وصور
تقول فاطمة في حديثها لـ "سبوتنيك" وهي تتابع حركة الزبائن من حولها: "تعلمت هذه الصنعة من والدتي التي ورثتها بدورها عن جدّتي. إنها مهنة عائلية توارثناها جيلا بعد جيل". وتوضح أن شهر رمضان يمثّل ذروة العمل، إذ يزداد الإقبال على "الملسوقة" بشكل ملحوظ مقارنة ببقية أشهر السنة.

ويبدأ يوم فاطمة مع خيوط الفجر الأولى، حيث تستيقظ باكرا لتحضّر العجين المكوّن من الدقيق والماء والملح، قبل أن تنطلق في عملية فرده على الصاج الساخن بحركات دقيقة وسريعة تتطلب خبرة طويلة.

وتضيف فاطمة: "صناعة "الملسوقة" تحتاج إلى صبر ودقّة وتركيز فهي ليست مجرد عجين بل حرفة قائمة بذاتها".
1 / 6
رمضان في تونس
2 / 6
رمضان في تونس
3 / 6
رمضان في تونس
4 / 6
رمضان في تونس
5 / 6
رمضان في تونس
6 / 6
رمضان في تونس
والملسوقة، وهي رقائق عجين رفيعة جدا، تُعدّ المكون الأساسي لطبق البريك، الذي يُحشى عادة بالبيض أو التونة أو البطاطا أو اللحم المفروم، ثم يُقلى حتى يكتسب لونا ذهبيا.
ورغم أن هذا الطبق يُعرف في عدد من بلدان المغرب العربي، فإنّه في تونس اكتسب خصوصية لافتة خاصة في شهر رمضان، حيث يقدّم في الغالب كأول طبق على مائدة الإفطار.
وبين زبونة وأخرى، تتوقف فاطمة لتشرح سبب إقبال العائلات على "الملسوقة" التقليدية. تقول: "خلال شهر رمضان، يفضّل الكثيرون الملسوقة الطازجة على تلك المعلّبة لأن مذاقها مختلف ولأنهم يرون فيها أثر العمل اليدوي".
وهكذا، لا تُختزل "الملسوقة" في كونها منتجا غذائيا فحسب، بل تتحول إلى جزء من عادة رمضانية متوارثة تحملها العائلات معها إلى البيوت استعدادا لموعد الإفطار.
للعام الثالث على التوالي.. شباب تونسيون يتطوعون في حملة "إفطارنا" لمساعدة المحتاجين في شهر رمضان
وتؤكد فاطمة أن هذه المهنة أصبحت أكثر مشقة في السنوات الأخيرة، في ظل ارتفاع الكلفة ومتاعب العمل، لكنها تضيف: "في رمضان ننسى التعب، لأننا نشعر بقيمة ما نقدّمه". وبين حركة السوق المتواصلة وصوت الصاج الذي لا يهدأ، تتواصل حكاية نساء حافظن على هذه الصنعة التقليدية، لتبقى حاضرة في الذاكرة الجماعية كلما حلّ شهر الصيام.

الموسم الذهبي للأجبان

ومع حلول شهر رمضان، تشهد محلات بيع الأجبان ومشتقات الحليب في تونس حركة غير عادية. فـ"القوتة"(نوع من الجبن)، واللبن الرائب، والأجبان الطازجة، تتحوّل إلى مكوّنات أساسية على المائدة الرمضانية، سواء كمرافقة للأطباق أو كوجبة خفيفة بعد الإفطار.
في أحد المحلات الشعبية بتونس العاصمة، يقول الحاج عبد السلام لـ "سبوتنيك"، وهو تاجر أجبان منذ أكثر من ثلاثين عاما: "رمضان هو موسمنا الذهبي، حيث يتضاعف فيه الطلب على "القوتة " لأنها خفيفة على المعدة، والناس تحب أن تبدأ بها الإفطار".
ويضيف عبد السلام، أن الكثير من العائلات تفضّل المنتجات الطازجة المصنوعة محليا لما لها من جودة وطعم طبيعي.
تونسيون يطلقون مبادرات خيرية لإسعاد الفقراء والمحتاجين في شهر رمضان.. صور وفيديو
وتصنع "القوتة "وهي نوع من الجبن الطازج من الحليب المخمّر، وهي غنية بالبروتينات وسهلة الهضم، ما يجعلها خيارا مفضلا للصائمين. كما يُقبل التونسيون على الجبن الأبيض الذي يدخل في تحضير أطباق رمضانية متعددة.
من جهتها، تقول سنية العياري، وهي تاجرة شابة ورثت المحل عن والدها: "نحضّر كميات إضافية من الأجبان في رمضان، خاصة قبل أذان المغرب. "الناس تأتي مباشرة من العمل لشراء القوتة واللبن".
وتشير إلى أن بعض الزبائن يربطون هذه المنتجات بذكريات الطفولة: "يقولون لنا إن طعم "القوتة" يعيدهم إلى رمضان زمان".
إلى جانب بعدها الغذائي، تحمل هذه الأطعمة بعدا ثقافيا، إذ تعكس بساطة المائدة التونسية وقدرتها على التوازن بين الدسم والخفيف. فبعد يوم طويل من الصيام يبحث التونسي عن ما يريح المعدة ويمنح شعورا بالانتعاش.
وهكذا، تتحوّل محلات الأجبان في رمضان إلى فضاءات للقاء، حيث يتبادل الناس الوصفات والنصائح، وتبقى "القوتة" شاهدا على ذائقة جماعية تتجدّد كل عام.
تونس... مهرجان للسحور يحتفي بالأكلات الشعبية في ليالي شهر رمضان.. صور

رمضان.. شهر العبادة

ومع اقتراب موعد صلاة العشاء، تبدأ المدينة العتيقة بتونس العاصمة في استعادة نبضها الرمضاني. الأزقة الضيقة تزدحم بالمصلين، والأنوار الخافتة تنعكس على الجدران العتيقة، فيما يتجه الناس صغارا وكبارا إلى جامع الزيتونة لأداء صلاة التراويح ليتحوّل رمضان إلى حالة روحانية كاملة.
يقول أحمد، موظف في الأربعين من عمره، وهو يستعد لدخول جامع الزيتونة لأداء صلاة التراويح: "أحرص في كل سنة على المجيء إلى هذا الجامع خلال شهر رمضان، لما له من مكانة خاصة في نفسي. فالصلاة هنا تختلف عن غيرها، إذ يشعر المرء بخشوع أعمق وطمأنينة أكبر، وكأن روح المكان تساعد على التفرغ للعبادة والانقطاع عن مشاغل الحياة اليومية".
بدورها تؤكد صابرين لـ "سبوتنيك"، وهي طالبة جامعية في الثانية والعشرين من عمرها، أن شهر رمضان يمثّل بالنسبة لها فرصة لإعادة ترتيب علاقتها بالجانب الروحي، فتقول: "في هذا الشهر التزم أكثر بعباداتي ، إذ أجد وقتا أكبر للالتزام بالصلاة وقراءة القرآن والتأمل. رمضان يمنحني إحساسا بالسكينة، ويجعلني أكثر حرصا على مراجعة نفسي والانتباه لما هو جوهري في حياتي".
"قفة رمضان" وموائد إفطار... شهر الصيام يتحول إلى موسم للعطاء في تونس.. صور

جامع الزيتونة يتحول لقلب نابض

جامع الزيتونة، بقيمته التاريخية والدينية، يتحوّل في رمضان إلى قلب نابض، حيث تتعالى أصوات التلاوة، وتلتقي الأجيال في صفوف الصلاة. وبعد التراويح، تمتد السهرات الرمضانية في المقاهي المجاورة، لكن دون أن تطغى على روح الشهر.
تتحدث خديجة، وهي ربة بيت في الخمسين من عمرها، لـ "سبوتنيك" عن جانب آخر من شهر رمضان يتجاوز الصيام والعبادات الفردية، قائلة: "رمضان هو قبل كل شيء شهر الخير والتضامن. في هذا الشهر نحرص على الإكثار من الصدقات، ومساعدة المحتاجين، والمشاركة في المبادرات الجماعية التي تعزز روح التكافل بين الناس".
وتضيف أن من أبرز هذه المبادرات تلك المتعلقة بالختان الجماعي للأطفال من العائلات المعوزة، والتي تنتشر خاصة خلال النصف الثاني من شهر رمضان، موضحة: "هذه المبادرات تحمل بعدا إنسانيا واجتماعيا كبيرا، إذ تُدخل الفرحة على قلوب الأطفال وعائلاتهم وتخفف عنهم أعباء مادية، كما تعكس قيم الرحمة والتكافل التي يرسّخها هذا الشهر في المجتمع التونسي".
مناقشة