ثراء طبيعي وتنوع ثقافي
تزخر الجزائر بتنوع بيئي فريد، فجبال جرجرة في منطقة القبائل توفر سياحة بيئية وجبلية واعدة، بينما تشكل هضاب الأوراس وجهة مثالية لعشاق التاريخ والطبيعة، أما الجنوب، فيحتضن مواقع مصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو مثل طاسيلي ناجر، بما تضمه من نقوش صخرية تعود إلى آلاف السنين، شاهدة على حضارات إنسانية ضاربة في القدم.
ولا تقتصر المقومات على الطبيعة فحسب، بل تمتد إلى عمق ثقافي يعكس تمازج الأمازيغيِّ والعربي والمتوسطي والأفريقي. في العاصمة الجزائر تقف القصبة كتحفة معمارية تختزل قرونًا من التاريخ، فيما تستقطب الفعاليات الفنية في تيمقاد الزوار سنويًا في مسرحها الروماني الشهير.
إصلاحات واستثمارات… ورؤية 2030
ضمن رؤية تنموية طموحة نحو 2030، تسعى السلطات إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على المحروقات، عبر تطوير قطاع السياحة كأحد البدائل الإستراتيجية.
وقد شهدت السنوات الأخيرة إصلاحات لتسهيل الاستثمار، وتحسين البنية التحتية الفندقية، وتوسيع شبكة النقل الجوي والبري.
كما تعمل الحكومة على رقمنة الخدمات السياحية، وتبسيط إجراءات التأشيرة، والترويج للوجهة الجزائرية عبر المعارض الدولية والمنصات الرقمية، مع استغلال المؤثرين للترويج للسياحة في البلاد، ويُنتظر أن تسهم هذه الخطوات في مضاعفة عدد السياح الأجانب، وجذب استثمارات نوعية في السياحة الصحراوية والبيئية وسياحة المؤتمرات.
تحديات قائمة… وفرص واعدة
ورغم هذه الجهود، لا تزال هناك تحديات تتعلق بالتسويق الدولي، وجودة الخدمات، والتكوين المهني في المجال السياحي، كما يتطلب تحقيق أهداف 2030 شراكة فعالة بين القطاعين العام والخاص، وتثمين المبادرات المحلية في القرى والمناطق النائية.
غير أن المؤشرات تبعث على التفاؤل، فالعالم اليوم يبحث عن وجهات جديدة غير تقليدية، آمنة وغنية بالتجارب الأصيلة، وهي مواصفات تنطبق إلى حد كبير على الجزائر، وإذا ما استُثمر هذا الزخم برؤية واضحة ومستدامة، فقد تتحول البلاد إلى قطب سياحي إقليمي يجمع بين سحر المتوسط وعمق الصحراء.
لذا فرهان الجزائر السياحي لا يقوم فقط على استقطاب الأعداد من السياح، بل على بناء نموذج مستدام يحافظ على البيئة والهوية الثقافية، ويخلق فرص عمل للشباب، وبين طموح 2030 وواقع الإمكانات الهائلة، تقف السياحة كجسرٍ نحو اقتصاد متنوع وصورة دولية أكثر إشراقًا.
طموحات السياحة في الجزائر حتى عام 2029
تستهدف الجزائر رفع عدد السياح إلى 8 ملايين سائح بحلول عام 2029، في إطار إستراتيجية وطنية تهدف إلى تعزيز إسهام القطاع في الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل.
ولتحقيق هذا الهدف، تركز السلطات على تطوير السياحة الداخلية والوافدة على حد سواء، مع تحسين جودة الخدمات السياحية والحفاظ على أصالة وتنوع المنتج المحلي، وتطوير السياحة الشاطئية ومنتجعات الاستجمام على امتداد الساحل الجزائري، وتعزيز سياحة العلاج بمياه البحر باعتبارها قطاعًا واعدًا يجمع بين الصحة والاسترخاء، مع التركيز على تنمية السياحة الجبلية والصحراوية وسياحة الأعمال، إلى جانب السياحة الثقافية والدينية، مع إيلاء اهتمام خاص بتقديم عروض سياحية فاخرة في الصحراء الكبرى تستهدف شرائح ذات إنفاق مرتفع.
السياحة في الجزائر تمر بمرحلة انتقالية
قال عبد الوهاب بولفخاد، لـ"سبوتنيك": إن السياحة في الجزائر تمر بمرحلة انتقالية، حيث لوحظ في السنوات الأخيرة تحسين نسبي في مستوى الاهتمام الرسمي بالقطاع، سواء من خلال إطلاق برنامج دعم اقتصادي سياحي، أو فتح نقاش جاد حول الإصلاحات التنظيمية والهيكلية، غير أن هذا التحسين، ورغم أهميته، لا يزال دون مستوى الإمكانات الحقيقية التي تزخر بها الجزائر، وهو ما يؤكد أن القطاع يحتاج إلى رؤية أكثر تكاملًا واستمرارية في التنفيذ.
وأضاف أن ضعف الإقبال السياحي في الجزائر لا يعود إلى عامل واحد، بل هو نتيجة تراكمات، أبرزها محدودية الترويج السياحي على المستوى الدولي، ونقص الروابط الجوية المباشرة، مع ضعف تنويع المنتجات السياحية في ظل غياب منظومة خدماتية متكاملة تتكفل بالسائح منذ وصوله إلى غاية مغادرته، كما أن الصورة الذهبية عن الوجهة السياحية الجزائرية لم تُبنَ بعد بالشكل الذي يعكس مقدرات البلاد ومقوماتها.
واعتبر المتحدث أن إجراءات التأشيرة تُعد أحد أبرز العوائق أمام السائح، في ظل التنافس الإقليمي والدولي، ما يستدعي ضرورة إعادة النظر وتبسيط الإجراءات وتوسيع نظام التأشيرة الإلكترونية مع اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل، وهذا من شأنه تحسين جاذبية الوجهة الجزائرية دون المساس بالسيادة الوطنية أو الاعتبارات الأمنية.
وشدد المتحدث على قوة وثراء الطبيعة الخلابة في الجزائر، ما يجعلها محل تصنيف عالمي، ما يعكس اعترافًا دوليًا بما تملكه الجزائر من مقدرات طبيعية خلابة وتنوع طبيعي من تراث وتاريخ، لكن الاستغلال لا يزال جزئيًا ويفتقر إلى ترويج سياحي مهيكل، والبنية التحتية الداعمة، وربط المواقع السياحية بشبكات النقل، وتحويل الثروة الطبيعية إلى منتوج سياحي تنافسي ومستدام.
اقتصاديًا، أكد المتحدث أن السياحة لا يمكن فصلها عن محيطها الاقتصادي العام، وأن صعوبات الدفع الإلكتروني، ووجود سوق موازية للعملة، وغياب الحلول المالية للسائح الأجنبي، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على التجربة السياحية وعلى أي إصلاح حقيقي، لأنه يمر عبر إصلاحات اقتصادية تضمن الشفافية، وتسهيل المعاملات، ودمج القطاع السياحي في الدور الاقتصادي الرسمي.
وبالنسبة للبنى التحتية، قال بولفخاد إن القطاع الفندقي يعرف تباينًا في مستوى الخدمات، فهناك مؤسسات تعاني ضعف التأهيل ونقص الموارد البشرية، كما أن المنافسة غير النزيهة والنشاط غير المنظم أثّرا سلبًا على جودة الخدمات، وتحسين الواقع الفندقي يمر عبر التكوين والمرافقة وتحيين النصوص التنظيمية وتشجيع الاستثمار النوعي.
وفي الختام شدد المتحدث على أن السياحة في الجزائر يمكن أن تتحول إلى رافد اقتصادي حقيقي على المدى المتوسط، بشروط توفر إرادة استراتيجية واضحة تقوم على إصلاحات المنظومة القانونية، وتحسين مناخ الاستثمار، مع تطوير البنية التحتية وعصرنة الخدمات، وتفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، فما ينقص ليس المقدرات الطبيعية، ولكن حسن استغلالها والتنسيق بين الجميع والاستمرارية في تنفيذ الإصلاحات.