عبق الماضي ينعش الاقتصاد.. إحياء "بغداد القديمة" يتحول إلى ورقة رابحة

في زمن تضيق فيه الخيارات المالية وتتسع فيه فجوات الإنفاق، تتجه الأنظار في العراق نحو كنز لم يستثمر بما يكفي وهي المدن التاريخية "العتيقة" وذاكرة المكان، فالمواقع التراثية، التي كانت لسنوات طويلة شاهدا صامتا على تعاقب الحضارات، تحوّلت اليوم إلى ورقة اقتصادية رابحة تسعى الحكومة إلى تفعيلها لاستقطاب السائحين وتنشيط الإيرادات غير النفطية.
Sputnik
ومع تصاعد الضغوط المالية وتقلبات أسواق الطاقة، برزت قناعة رسمية بأن إعادة إعمار وتأهيل المناطق التاريخية ليست ترفا عمرانيا، بل استثمارا طويل الأمد قادرا على رفد الخزينة العامة بعوائد مباشرة وغير مباشرة، من خلال تنشيط السياحة، وتحريك قطاعات الضيافة والخدمات، وخلق فرص عمل جديدة.

ووفقا للمراقبين، فإن هذا التوجه يعكس تحولا في الرؤية الاقتصادية، إذ بات الحفاظ على التراث وإحياؤه جزءا من استراتيجية تنويع مصادر الدخل، في محاولة لتحويل عبق الماضي إلى مورد مالي مستدام يعيد للحجر القديم دوره في صناعة المستقبل.

نهضة عمرانية تعيد الروح إلى قلب العاصمة

أكد المتحدث باسم أمانة بغداد، عدي الجنديل، في حديث لـ"سبوتنيك"، أن أعمال تطوير مركز بغداد التاريخي تمثل نقلة نوعية في إحياء هوية العاصمة وإعادة الاعتبار لمناطقها التراثية، مبينا أن المشروع انطلق بتطوير شارع المتنبي، تلاه محور السراي، فيما تتواصل حاليا الأعمال في شارع الرشيد ضمن خطة متكاملة لإحياء قلب بغداد القديم.
بعد 40 عاماً من الغياب.. العراق يعود إلى خارطة النقل العالمي
وأضاف أن الأعمال نفذت بالاعتماد على كوادر هندسية متخصصة، مع الحفاظ على الطابع التراثي للأبنية بالتنسيق مع الجهات المعنية، بينها وزارة الثقافة ودوائر خدمية عدة كالكهرباء والاتصالات، في إطار لجنة مشتركة هدفت إلى ضمان تكامل الجهد الفني والخدمي.

وأشار الجنديل، إلى أن هذه المناطق أصبحت اليوم، نقطة جذب رئيسية للزوار من داخل العراق وخارجه، مؤكدًا أن السائح الذي يصل إلى بغداد غالبا ما يضع شارع المتنبي وشارع الرشيد في صدارة وجهاته، لما تمثله من رمزية ثقافية وتاريخية، موضحا أن المرحلة الأولى من تطوير شارع الرشيد، الممتدة من ساحة الميدان إلى تمثال الرصافي، أنجزت، فيما تتواصل الاستعدادات لاستكمال المراحل اللاحقة ضمن رؤية شاملة لإحياء بغداد القديمة.

إحياء الذاكرة البغدادية

من جانبه، قال المحامي العراقي عبد الستار محمد، إن تطوير الشوارع التراثية أعاد الحياة إلى مناطق كانت مهملة لسنوات طويلة، مشيرا إلى أهمية استحضار الرموز القديمة التي تعكس تاريخ بغداد، مثل حافلة الطابقين الحمراء التي كانت تجوب شارع الرشيد.
قطاع الطاقة في العراق يبدأ النهوض... كيف ساهمت 5 مشاريع عملاقة بذلك؟
وأضاف محمد، خلال حديثه لـ "سبوتنيك"، أن إعادة هذه التفاصيل التاريخية من شأنها أن تعزز الجذب السياحي، إذ يشعر الزائر وهو يسير في هذه الشوارع بروح الماضي وحكاياته.
وتابع محمد، قائلا إن "الاستقرار الأمني الحالي ساهم في زيادة الإقبال على المنطقة وتنشيط الحركة التجارية فيها، حيث بادر أصحاب المحال إلى تطوير واجهاتهم بما ينسجم مع الطابع الجديد للمكان".

بغداد تستعيد هويتها وتفخر بتراثها

بدوره، عبر السائح العراقي المقيم في لندن نبيل أحمد، عن إعجابه بأعمال التأهيل، واصفا ما تحقق بأنه خطوة حضارية تعكس اهتماما بإرث الأجداد وإحياء المعالم التاريخية بروح عصرية.

وفي حديثه لـ "سبوتنيك"، أكد أن الحفاظ على الأبنية القديمة وتطويرها يتيح للأجيال المقبلة التعرف على تاريخ العراق وحضارته، مشيرا إلى أن هذه المشاريع تمنح صورة إيجابية عن البلد وتعزز شعور العراقيين بالفخر بهويتهم العمرانية والثقافية.

وأضاف أن إحياء المناطق التراثية يمنح الزائر تجربة فريدة تجمع بين عبق الماضي وروح الحاضر، وهو ما يجعل من بغداد وجهة أكثر جاذبية للسياح والمهتمين بالتاريخ.
"مطبخ الرحمة" بالأعظمية.. مائدة مجانية توحد الصائمين في العراق... فيديو
ويعد شارع الرشيد من أقدم وأشهر شوارع بغداد، إذ تعود جذوره إلى العصر العباسي حين كان يعرف بـ "الشارع الأعظم" لامتداده المستقيم عبر محلات بغداد القديمة.

وفي عام 1910، خلال الحكم العثماني، وسّعه الوالي خليل باشا وأطلق عليه اسم "خليل باشا جاده سي"، بهدف تسهيل حركة الجيش والعربات لأغراض عسكرية، غير أن تنفيذ المشروع واجه عقبات عدة، بينها اعتراضات دينية وملكية خاصة، فضلاً عن محدودية التمويل، ما أدى إلى ظهور بعض الانحناءات في مساره.

وعقب دخول البريطانيين بغداد عام 1917، أطلق عليه اسم "شارع هندنبرك" ثم "شارع النصر"، قبل أن يستقر اسمه في العهد الملكي على "شارع الرشيد"، ليغدو لاحقا أيقونة تراثية وثقافية للعاصمة العراقية.
مناقشة