فما هي أهم العادات الرمضانية المتوارثة في السودان بعد الحرب المستعرة في البلاد، والتي دخلت عامها الرابع.. وهل ما تزال تلك العادات باقية رغم قسوة المعيشة والنزوح واللجوء وأصوات المدافع والمسيرات؟
"قائظ سعنه"
بداية، يروي الكاتب الصحفي السوداني عاصم البلال، ذكرياته مع رمضان في السودان قبل الحرب وبعدها، إذ يملأ السوداني في نهار رمضان قائظ سعنه (وعاء حفظ الماء)، وهذا دأبه مستمرا رغم ما رافق الحياة من تطور، ويقضي جلّ صومه في رشه من الخارج ليضمن برودة المياه مع أذان الإفطار.
وسرد البلال لـ"سبوتنيك"، قائلا: "والسعن هو مسمى وعاء لتبريد المياه من جلود بهائم الأنعام المدبوغة، يشفّ عن عبقرية فطرية لتخفيف شدة العطش وقسوة الصوم في مناخات الإستواء، والسعن من ضمن بدائل تقليدية للمبردات الكهربائية المنعدمة في حياة الصائم السوداني القروي والفقير، القائم بيته مشيّدا من الجالوص، وفي بعض المناطق خليط بالبروش، تماشيًا مع حرارة الصيف الموسم الأطول".
وعاد بالذاكرة، متحدثا: "رمضان السوداني شدة وبأس، وعادات وتقاليد ومع مرور المواسم باتت جزء من العادات، الإفطارات الجماعية وعلو كعب (سقف) الأنفاق من ثريد الطعام (أفضل الطعام وغالبا تدخل اللحوم في تكوينه) ومن المال العزيز، كل هذا يحوّل الشهر الكريم لأمتع عيد يدوم شهرا، إلا يوم أو يومين وهما يومي الرؤية في ختام شعبان أو هلال شوال وآخر يوم في رمضان".
طقوس السوادنيين في شهر رمضان بعد 4 أعوام من الحرب
© Sputnik . AHMED ABDELWAHAB
الصبر والصلابة
وقال البلال، الذي تراكمت ذكرياته في هذا الشهر الكريم: "يرتفع إيقاع التكافل والتراحم في رمضان بين السودانيين، وتقام موائد الإفطار الجماعية، التي يتبرع بها أفراد أو تتحد المجموعات السكانية في الأحياء، وتنصب الموائد في الشوارع والساحات العامة لاصطياد المارة، وأحيانًا تنصب المجموعات ارتكازات منتشرة لإجبار من يسيرون على الأقدام وأصحاب السيارات للتوقف، ترتفع أحاسيس المحبة وتنعدم العديد من المظاهر السالبة".
وأردف: "الصائم السوداني مزيج فريد من الصبر والصلابة والرقة والنعومة، لم تبدّل حضرية الحياة ومدنيتها من سلوكه الرمضاني، ولا من عاداته وتقاليده، حتى والحرب مستمرة لا يزال السودانيون متمسكون بتلك العادات الرمضانية والطقوس المتفردة، مستفيدين من الحكمة من مشروعية الصوم وحضّها على الصبر، غير متخلين طوال سنين الحرب عن الصوم والإنفاق والدفاع لرفع بلاء الحرب".
وبنبرة يملؤها الحزن، قال البلال: "أفتقد على المستوى الشخصي، وللمرة الأولى في حياتي، طعم الصوم خارج بلدي وديار أهلي السودانيين، لم أصم الشهر الكريم خارج بلدي بعيدًا عن طقوس محبذة وتجمعات محببة، تخلو الموائد من حولي من أشهر المشاريب التقليدية وأشهرها مشروب (الحلو مر) فريد المذاق، وكذلك بعض الأكلات الشعبية، منها "العصيدة" متعددة الأشكال، معبّرة عن اختلاف الأطعمة والأمزجة وتنوع العادات والتقاليد سر خصوصية حياة السودانيين".
طقوس السوادنيين في شهر رمضان بعد 4 أعوام من الحرب
© Sputnik . AHMED ABDELWAHAB
الرحمتات (الرحمة أتت)
وعن الواقع وهل تأثرت تلك الطقوس بسبب الحرب، قال البلال: "قطعا الحرب تؤثر على تفاصيل عديدة، أبرزها تفرق جموع الموائد الأسرية والميدانية، بسبب تبعثر السودانيين بين النجوع والبوادى وخارج الحدود، ويتخوف سودانيون من إفضاء الحرب لتغييرات جذرية فى سلوكيات الصائمين إثر عودة متمناة لحياة السودانيين الطبيعية".
ويحكي البلال عن طقوس رمضان: "مع اقتراب نهاية الشهر هناك يوم يعرف (بالرحمتات)، وهو اختصار لكلمتي الرحمة أتت، وفيه يوسع الصائمون من الرزق على الفقراء والمساكين وعلى بعضهم بعضا، والحقيقة أن الصورة قبل الحرب لم تعد بزهو الماضى البعيد للتغييرات الجذرية التدريجية فى سلوكيات الناس والصائمين منهم، مع وجود مستمسكين بقوة بمظاهر رمضانية بمثابة ماركة سودانية".
أبرز المظاهر
وعن أبرز المظاهر الرمضانية في السودان في ظل الحرب، يقول: "أبرز المظاهر الإفطارات والصلوات الجماعية رغم أزيز وطنين أسلحة الحرب المتعددة، وإن كانت تبدو منحسرة مع دخول الحرب عامها الرابع، الذي يشهد عودة حياة رمضانية إلى حد كبير حد شبيهة بأجواء ما قبل اندلاع الحرب".
ولفت البلال إلى أنه "يشعر بقسوة الصوم نظرا لبعده عن أهله ودياره، رغم أنه يعيش وسط مجتمع مسلم، لكن الذكريات تظل محفورة لا يمكن نسيانها أو القفز عليها وتجاهلها لأنها من التراث المتواصل، بالفعل الصوم قاسيا بعيدا عن الأهل والديار، وأستشعر جدا الفروقات والأحاسيس القريبة المتشكلة بلغة واحدة ووجدان مشبع بروح الأسلاف من الأهل والأحباب".
في الختام، يقول الكاتب الصحغي السوداني، عاصم البلال: "رغم الذكريات الجميلة التي لا زالت تعيش معنا في رمضان، ورغم أن بعض المناطق أجبرتها الحرب على عدم تفعيل تلك الطقوس، لكن في كل الأحوال يبقى الصوم موسم ابتهال لله تعالى، والأمنيات بالعودة لمن غادروا لاجئين ونازحين مفعمة بالآمال والإشتياق لعوالم دافئة مفقودة".
طقوس السوادنيين في شهر رمضان بعد 4 أعوام من الحرب
© Sputnik . AHMED ABDELWAHAB
تحديات غير مسبوقة
من جانبه، يقول رئيس منظمات المجتمع المدني السودانية، عادل عبد الباقي: "يواجه الشعب السوداني خلال شهر رمضان المبارك تحديات غير مسبوقة بسبب التضخم الشديد ونقص الغذاء والمياه والصراع المستمر في البلاد".
ويضيف في حديثه لـ"سبوتنيك": "قد أثّرت هذه القضايا بشدة على الحياة اليومية، مما جعل من الصعب على الأسر الوصول إلى الضروريات الأساسية، وأدى الدمار الذي سببته الحرب إلى انهيار العديد من الشركات، وبالتالي تفاقم الضغوط المالية على الأسر".
وقال عبد الباقي: "بما أن شهر رمضان هو وقت تقليدي للتأمل والتواصل المجتمعي والكرم، فإن نقص الدخل للعديد من العائلات يجعل هذه الفترة صعبة بشكل كبير، والكثير من الأسر تحتاج اليوم للمساعدات والدعم الإنساني للمساعدة في تخفيف المعاناة وتوفير الإغاثة للمحتاجين خلال هذا الشهر الكريم".
طقوس السوادنيين في شهر رمضان بعد 4 أعوام من الحرب
© Sputnik . AHMED ABDELWAHAB
الفرحة المنسية
من جانبها، تقول أمل محمد (سودانية) متطوعة في العمل الإنساني: "يعاني النازحون السودانيون في الولايات من نقص الغذاء وصعوبة الحصول على العمل وقلة العائد منه إن وجد، إذ يتم استغلال ظروفهم المعيشية لأداء أعمال الزراعة والبناء بعائد مادي زهيد، كما أن توقف الرواتب الشهرية لمعظم نازحي ولاية الخرطوم ولا سيما المعلمين والموظفين ساهم في زيادة المعاناة، المجاعة تضرب ثلاثة أرباع السكان والمواطنون لا يحصلون على ما يسد رمقهم في شهر رمضان المبارك".
وأضافت، في حديثها لـ"سبوتنيك": "مع دخول شهر رمضان لم يجد النازحون يد العون من الجهات الرسمية، وما يتم توزيعه لا يكفي 3% من الاحتياجات الأساسية ويأمل السودانيون في هذا الشهر العظيم أن يستجيب الله لدعائهم وأن تقف تلك الحرب".
وواصلت: "كانت المرأة هي أحد المظاهر المهمة في رمضان لأنها تقوم بالإعداد لهذا الشهر وشراء الاحتياجات وترتيب المنزل وإعداد الطعام، أنا حزينة على ما يجري في بلادي، لقد كانت هناك فرحة كبيرة تنتظر رمضان كل عام وخاصة في اليوم الأول لدى الأطفال، كما أن الشباب كانوا يقومون بعد صلاة العصر بالتنظيف والترتيب أمام منازلهم ووضع المفروشات استعدادا للإفطار واستقبال أي ضيف يمر عليهم وقت الأذان، حيث تجد التراحم والعطف والتسامح بين الناس".
وفي نيسان/ أبريل عام 2023، اندلعت اشتباكات عنيفة وواسعة النطاق بين قوات الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع"، في مناطق متفرقة من السودان، ونتج عنها استهداف منشآت صحية وتعليمية وخدمية فاقمت أزمة السودانيين.
وتوسطت أطراف عربية وأفريقية ودولية لوقف إطلاق النار، إلا أن هذه الوساطات لم تنجح في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار.