ويأتي هذا التحرك بعد سنوات طويلة من بقاء رئاسة المجلس دون تغيير منذ انتخابه عام 2014، ما يثير تساؤلات حول الدوافع السياسية والمؤسسية التي تقف وراء هذا الطرح في هذا التوقيت تحديدا.
وفي السياق، قال عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي إن من يسعون إلى تغيير رئاسة المجلس، لو كانوا جادين في ذلك، لكانوا أقدموا على هذه الخطوة منذ وقت مبكر، ولم يتركوا عقيلة صالح يتولى رئاسة المجلس طوال هذه الفترة.
وأضاف التكبالي الليبي في تصريح خاص لـ"سبوتنيك" أن "من يحاولون اليوم الدفع باتجاه تجديد رئاسة المجلس يعتقدون أن مجلس النواب سيبقى إلى الأبد، في حين أن الواقع، بحسب تعبيره، أن مدة المجلس وصلاحيته قد انتهتا، كما تراجع التأييد الشعبي له، ولن يكون له أي دور في المستقبل".
واعتبر التكبالي أن ما يجري حاليًا لا يتعدى كونه "حديثًا عبثيًا" لن يفضي إلى نتائج ولن يكون له أي صدى فعلي، مشيرا إلى "أن بعض الدعوات لعقد جلسات في المنطقة الغربية تأتي، وفق قوله، مقابل مبالغ مالية كبيرة، فيما يسعى آخرون في الشرق إلى استخدام مجلس النواب لخدمة مصالحهم الخاصة".
وأردف: "بعض أعضاء المجلس قبلوا بأن يكونوا، على حد وصفه، "ملطشة" لهذا الطرف أو ذاك"، مؤكدا "أنهم لن يكونوا فاعلين في هذه الحالة، وأن الأفضل أن يبقوا على وضعهم الحالي "حتى يأذن الله بأمرهم".
من جانبه قال المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي إن "الدوافع السياسية والبرلمانية التي تقف خلف المطالبة بتغيير رئاسة مجلس النواب تعود لعدة أسباب، من أبرزها مسألة إقرار قانون الضريبة على السلع".
وأوضح في تصريح خاص لـ"سبوتنيك" أن "عددا من أعضاء مجلس النواب أكدوا أنه لم تُعقد جلسة رسمية لإقرار قانون فرض ضريبة على السلع، متسائلاً عن كيفية تعامل مصرف ليبيا المركزي مع هذه الضريبة رغم علمه بعدم وجود جلسة رسمية أُقر فيها القانون".
وأضاف العبدلي: "ما يثير الاستغراب أيضا قيام رئيس لجنة الاقتصاد بمجلس النواب بمراسلة محافظ مصرف ليبيا المركزي بشأن هذه المسألة دون المرور بالتسلسل الإداري داخل المجلس عبر رئاسة مجلس النواب، وذلك في ظل صمت رئيس المجلس".
ووفقاً لما يتداوله بعض النواب، فإن "هذا الأمر أثار شكوكاً لديهم بوجود تواطؤ بين رئيس لجنة الاقتصاد في مجلس النواب ومحافظ مصرف ليبيا المركزي ورئاسة المجلس، وهو ما وضع أعضاء المجلس في موقف حرج، وكأنهم أقرّوا بسياسة قد تُفهم على أنها تضييق اقتصادي على الليبيين"، على حد قوله.
وأشار العبدلي إلى أن "هناك أسبابا رئيسية أخرى وراء المطالبة بتغيير رئاسة المجلس، من بينها أن رئيس مجلس النواب الحالي، وبعد سنوات طويلة من توليه المنصب، بات – بحسب رأيه – يميل إلى الانفراد بالقرار، ولا يُبدي اهتماماً كافياً بآراء بقية الأعضاء، وهو ما تسبب في خلافات مباشرة مع عدد منهم".
ولفت إلى أن "أعضاء المجلس لا يشعرون بوجود تداول ديمقراطي داخلي حقيقي على رئاسة مجلس النواب، وقد تكون هناك أسباب تدفع إلى استمرار عقيلة صالح في المنصب، إلا أن الانفراد بالقرار بحسب تقديره أصبح يمثل تهديداً لمصالح عدد من النواب، الأمر الذي دفعهم إلى التحرك والمطالبة بالتغيير".
ويرى العبدلي أن الكثير من أعضاء مجلس النواب لا ينطلقون في مواقفهم من اعتبارات المصلحة الاقتصادية أو السياسية العامة بقدر ما تتحكم في مواقفهم مصالحهم المرتبطة بالكتل البرلمانية.
وأضاف: "أداء مجلس النواب لم يعد كما كان في السابق، وأصبح يُنظر إليه من قبل شريحة من الليبيين كأحد أسباب استمرار الأزمة"، معتبراً أن "تغيير رئيس المجلس وحده قد لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في أداء المؤسسة التشريعية، إذا استمر النهج ذاته".
كما حذّر من أنه في حال فشل النواب المطالبون بتغيير رئاسة المجلس رئيساً ونائبين في تحقيق مطالبهم، فقد يتجه المشهد نحو سيناريو مختلف قد يحمل مؤشرات على انقسام داخل مجلس النواب.
وأوضح أن هناك تقديرات تشير إلى احتمال تشكّل جسم برلماني آخر في مدينة مختلفة، خاصة أن عدد النواب المطالبين بتغيير عقيلة صالح تجاوز مائة نائب، وقد يرفضون الاستمرار تحت رئاسته.
وأضاف: "الوضع داخل المجلس بحسب وصفه يتسم بحالة من التوتر والانقسام، مع وجود ما اعتبره انفراداً في اتخاذ القرارات يقوده رئيس المجلس"، مشيراً إلى "قرارات سابقة قال إنها اتُّخذت بشكل منفرد، من بينها مراسلة محافظ مصرف ليبيا المركزي بشأن فرض ضريبة على سعر الصرف، وهو ما انعكس وفق رأيه على الوضع المعيشي والاقتصادي للمواطنين".
وأكد إن "احتمال انقسام مجلس النواب يظل قائماً، وقد لا يكون المجلس بمنأى عن سيناريو الانقسام الذي شهده المجلس الأعلى للدولة سابقاً، مرجحاً أن يخرج عدد كبير من النواب المطالبين بالتغيير من تحت رئاسة عقيلة صالح في حال استمرار الخلافات داخل المجلس".
فيما يرى المحلل السياسي الليبي معتصم الشاعري أن "مسألة تغيير رئاسة مجلس النواب كان من المفترض أن تُطرح منذ فترة سابقة، مرجحًا أن تعود أسباب المطالبة بهذا التغيير إلى الخلافات بين أعضاء هيئة الرئاسة، إضافة إلى بعض القرارات التي اتُّخذت بشكل منفرد من قبل رئيس مجلس النواب خلال الفترة الماضية".
وأضاف الشاعري في تصريحات لـ"سبوتنيك" أن "هيئة الرئاسة الحالية لا تبدو متناغمة في عملها، وهو ما دفع عدداً من أعضاء المجلس إلى المطالبة بضرورة تغييرها، لاسيما مع تصاعد الخلافات الداخلية وتزايد الانتقادات لأداء رئاسة المجلس خلال السنوات الأخيرة".
وأوضح أن "ما تغير في الوقت الراهن هو حالة الاستياء المتزايدة لدى عدد من أعضاء مجلس النواب من استمرار الرئاسة الحالية، والتي بحسب تقديره لم تقدم جديدًا يُذكر على صعيد دفع العملية السياسية في ليبيا، واقتصر دورها في كثير من الأحيان على التجاذبات السياسية"، مشيرا إلى أن "مدة بقاء هذه الرئاسة تُعد طويلة نسبيًا، إذ لم يطرأ عليها أي تغيير منذ انتخاب مجلس النواب عام 2014، الأمر الذي دفع بعض الأعضاء إلى المطالبة بإعادة النظر في تركيبة الرئاسة".
وبيّن الشاعري أن المطالبة بتغيير رئاسة مجلس النواب تُعد من الناحية القانونية أمراً مشروعاً، مشيرًا إلى أن النظام الداخلي للمجلس يتيح للأعضاء المطالبة بإعادة انتخاب هيئة الرئاسة أو تغييرها متى ما دعت الحاجة إلى ذلك، وهو إجراء تنظيمي متعارف عليه داخل المؤسسات البرلمانية.
ولا يعتقد الشاعري أن "عملية تغيير الرئاسة في حال تمت ستواجه إشكالات قانونية كبيرة"، كما أنه "لا يتوقع أن يكون لها تأثير مباشر على مسار العملية السياسية في البلاد"، معتبرا أن "هذا التغيير يندرج في إطار الإجراءات التنظيمية الداخلية للمجلس".
وختم حديثه بالقول: "إن مثل هذه الإجراءات تُعد ممارسة طبيعية في البرلمانات حول العالم، حيث يتم في كثير من الأحيان تجديد أو تغيير القيادات البرلمانية بما يواكب تطورات العمل السياسي والبرلماني".