وبعد سنوات من النقاش حول ضرورة سنّ قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي ويطالب باعتراف رسمي بجرائمه، جاء التعديل الأخير الذي أقرّه البرلمان بغرفتيه، من خلال اللجنة المتساوية الأعضاء بين المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة لمراجعة أبرز بنوده، ليحذف مادة الاعتذار والتعويض من النص النهائي للقانون، هذا القرار فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول خلفياته السياسية والدبلوماسية، خاصة في ظل العلاقة المتقلبة بين الجزائر وفرنسا، والتي ما تزال تتأثر بثقل الماضي الاستعماري.
ويرى مراقبون أن حذف بند الاعتذار لا يعني التخلي عن ملف الذاكرة، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة صياغة المطالب الجزائرية بطريقة أكثر قابلية للتحقق على الساحة الدولية، فبدل التركيز على إلزام فرنسا باعتذار رسمي وتعويضات، يميل النص الجديد إلى التأكيد على الاعتراف بالجرائم الاستعمارية وتوثيقها، باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية والتاريخ المشترك بين البلدين.
في المقابل، عبّر آخرون عن خشيتهم من أن يؤدي هذا التعديل إلى إضعاف الموقف الجزائري في ملف الذاكرة، معتبرين أن الاعتذار الرسمي يمثل رمزية قوية واعترافًا أخلاقيًا بمعاناة الشعب الجزائري خلال أكثر من قرن من الاستعمار.
إعلامي جزائري لـ"سبوتنيك": القرار سيهدئ التوتر المتصاعد بين الجزائر وباريس
قال الإعلامي حسان موالي، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، إن "الصيغة الجديدة لقانون تجريم الاستعمار، التي صادقت عليها اللجنة المتساوية الأعضاء للبرلمان، تعبّر عن رغبة السلطات الجزائرية في إعطاء فرصة لتهدئة الأجواء مع فرنسا، خاصة بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونياز"، مؤكدًا أن "هذه الخطوة تمثل إشارة إيجابية لفرنسا، وليست بالضرورة تراجعًا عن مكسب وطني".
وأضاف أن "تجريد القانون من مواده الأساسية، مثل الاعتذار والتعويض، من شأنه إحداث شرخ داخلي لدى الأوساط السياسية المعادية لفرنسا خاصة التيار الإسلامي، لكن الكل فهم أن هذا الإجراء لا مفرّ منه في سياق رغبة البلدين في تلطيف علاقتهما، التي يسودها التوتر منذ عامين".
خبير دستوري لـ"سبوتنيك": ما يهم هو إدانة الاستعمار وليس الاعتذار والتعويض فقط
قال الخبير الدستوري موسى بودهان، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، إن "المهم في قانون تجريم الاستعمار، أنه تمّت إدانة فرنسا، نظرًا لارتكابها كل الجرائم على امتداد قرن ونصف، الجزائر تكفيها الإدانة والاعتراف بالجرائم المرتكبة في الجزائر، لهذا مسألة الاعتراف والتعويض تبقى مهمة لكنها خاضعة لحسابات أخرى، وحذفها من القانون لا يعني أن الجزائر تراجعت مكاسبها الوطنية".
وأضاف بودهان: "ننتظر توقيع القانون من قبل الرئيس الجزائري، ووصوله إلى المحكمة الدستورية، إذ بإمكان كل المواطنين الذين تضرروا اللجوء إلى الآليات القانونية لأخذ التعويض، دون الحاجة إلى قانون تجريم الاستعمار".
وأكد المتحدث أن "مسألة الذاكرة الاستعمارية تبقى من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الجزائرية الفرنسية، إذ تتداخل فيها الاعتبارات التاريخية مع الحسابات السياسية والدبلوماسية"، مضيفًا أنه "في النهاية، يظل قانون تجريم الاستعمار خطوة مهمة في مسار استعادة الذاكرة التاريخية، حتى وإن اختلفت الآراء حول تفاصيله وبنوده، فالقضية بالنسبة للجزائريين ليست مجرد نص قانوني، بل جزء من هوية وطنية تشكلت عبر تضحيات جسيمة ونضال طويل من أجل الحرية والاستقلال".