ورغم تعدد المبادرات المحلية والدولية، لا تزال البلاد عالقة في دائرة من التجاذبات السياسية والصراعات على الشرعية، ما ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع الاقتصادية والخدمية وحياة المواطنين اليومية.
ومع تصاعد الدعوات لإعادة هيكلة السلطة وتوحيد المؤسسات، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل العملية السياسية وإمكانية الخروج من حالة الانقسام المزمن.
انقسام حاد
في سياق المشهد السياسي الليبي المعقّد، قال المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي إن البلاد لا تزال تعيش حالة انقسام حاد، رغم الجهود التي بذلتها بعثة الأمم المتحدة عبر جولات الحوار المختلفة لتوحيد السلطة المركزية، إلا أن هذه المساعي لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن.
في سياق المشهد السياسي الليبي المعقّد، قال المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي إن البلاد لا تزال تعيش حالة انقسام حاد، رغم الجهود التي بذلتها بعثة الأمم المتحدة عبر جولات الحوار المختلفة لتوحيد السلطة المركزية، إلا أن هذه المساعي لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن.
وأضاف العبدلي في تصريح خاص لـ"سبوتنيك" أن الوضع الراهن يتسم بوجود حكومتين متوازيتين، إلى جانب انقسام أمني وعسكري واضح بين شرق البلاد وغربها، ما انعكس في شكل إنفاق مزدوج من الطرفين، وأثر بشكل مباشر وسلبي على حياة المواطن الليبي.
وأضاف أن استمرار هذا الانقسام يخدم مصالح الأطراف السياسية القائمة، إذ إن توحيد الحكومة قد يفرض سياسات تقشفية ويحد من مستويات الفساد، وهو ما لا يتماشى مع مصالح تلك الأطراف.
وأشار إلى أن الانقسام المؤسساتي يساهم في إطالة أمد الأزمة، في ظل سعي القوى السياسية للحفاظ على نفوذها داخل المؤسسات.
فوجود حكومة موحدة، بحسب رأيه، قد يؤدي إلى قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، حتى وإن كان محدودًا.
ولفت إلى أن أبرز أطراف النزاع تتمثل في مجلس النواب والحكومة المنبثقة عنه في شرق البلاد، مقابل المجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية في الغرب، إلى جانب الانقسام العسكري بين قوات الجيش في الشرق وقوات أخرى في الغرب، مع وجود مجموعات مسلحة.
وبيّن العبدلي أن الانقسام العسكري يلعب دورًا حاسمًا في تعميق الانقسام السياسي، معتبرًا أن أي توافق عسكري بين الشرق والغرب من شأنه إنهاء حالة الانقسام السياسي، حيث إن الحكومات تخشى من وجود قوة عسكرية موحدة على الأرض.
وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب أولوية توحيد المؤسسة العسكرية قبل السياسية، لأن مراكز القرار الفعلية، وفق تعبيره، تقع بيد القوى العسكرية، بينما تستمد الأطراف السياسية توجهاتها منها.
كما انتقد ما وصفه بعدم جدية الأطراف السياسية في إنهاء الانقسام، مستفيدة من استمراره لتمديد بقائها في السلطة رغم انتهاء ولاياتها وفشلها في إدارة المرحلة.
كما أشار إلى أن التدخلات الإقليمية والدولية زادت من تعقيد الأزمة، سواء عبر الدعم العسكري أو الإعلامي، حيث يلجأ كل طرف إلى الاستقواء بحلفاء خارجيين، مؤكدًا أن إنهاء هذا الواقع مرهون بإرادة داخلية ليبية.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، أوضح العبدلي أن هناك مسارين رئيسيين: الأول تقوده بعثة الأمم المتحدة عبر محاولة التوافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، لكنه تعثر نتيجة الخلافات حول القوانين الانتخابية وتشكيل المفوضية.
أما المسار الثاني، فهو الحوار المهيكل، الذي قد يفضي إلى توصيات غير ملزمة، مع ترقب ما ستسفر عنه نتائجه خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن هناك تحركات تقودها الولايات المتحدة الأمريكية عبر اتصالات مع أطراف سياسية وعسكرية، بهدف خلق توافق جديد، قد يشكل مسارًا موازيًا لرؤية البعثة الأممية.
وأشار إلى أن المشهد يظل مفتوحًا على عدة احتمالات، في ظل انتظار ما ستؤول إليه هذه المبادرات المتنافسة.
سيناريوهات متعددة
من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي عبدالله الديباني إن الانقسام المؤسساتي يُعد العامل الأكثر تأثيرًا في استمرار الأزمة، حيث أدى إلى غياب سلطة مركزية موحدة قادرة على فرض القانون وبسط الأمن على كامل التراب الليبي، وفتح المجال أمام انتشار التشكيلات المسلحة غير النظامية التي استغلت الفراغ الأمني لتعزيز نفوذها.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن هذا الوضع أضعف هيبة الدولة ومؤسساتها السيادية، خصوصًا في ظل ازدواجية الحكومات والقرارات، كما عرقل جهود توحيد المؤسسة العسكرية رغم الحاجة الملحّة لذلك باعتباره مدخلًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار.
وفي هذا السياق، برزت القيادة العامة للجيش الليبي كعامل توازن، إذ ساهمت في مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة، وتأمين مناطق واسعة من البلاد، والحفاظ على قدر من الاستقرار المؤسسي في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
ولفت إلى أن الانقسام أوجد بيئة فوضوية، فيما مثلت المؤسسة العسكرية أحد أهم ركائز الحد من الانهيار.
وأوضح الديباني أن أبرز العوائق أمام التوافق السياسي الشامل تتوزع بين عوائق سياسية وأمنية، تتمثل في تمسك بعض الأطراف بمصالح ضيقة ورفضها لأي تسوية تقلص نفوذها، إلى جانب الاعتماد على الميليشيات المسلحة بدل المؤسسات النظامية، فضلًا عن غياب مؤسسة أمنية موحدة يمكن الوثوق بها لتنفيذ أي اتفاق.
وأشار إلى وجود عوائق مؤسسية، تتمثل في تضارب الشرعيات بين الأجسام السياسية، وغياب قاعدة دستورية واضحة تنظم العملية السياسية، بالإضافة إلى ضعف وانقسام مؤسسات الدولة الرقابية والقضائية.
كما لفت إلى عوائق مرتبطة بالثقة، أبرزها فشل اتفاقات سابقة، ما أدى إلى تآكل الثقة بين الأطراف، والتخوف من سيطرة طرف واحد على السلطة بعد أي تسوية، مؤكدًا أنه لا يمكن تحقيق توافق سياسي حقيقي دون تفكيك الميليشيات ودعم المؤسسة العسكرية النظامية كضامن للأمن.
وفيما يتعلق بتأثير التدخلات الإقليمية والدولية، قال الديباني إن التدخلات الخارجية كان لها تأثير مباشر على مسار الأزمة، تمثل في أثر سلبي واضح من خلال دعم أطراف غير نظامية بالسلاح والتمويل، وتعطيل مسار بناء مؤسسة عسكرية موحدة عبر تغذية الانقسام وإنشاء تشكيلات مسلحة جديدة ذات ولاءات مصلحية، فضلًا عن تحويل ليبيا إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي ودولي.
وفي المقابل، أشار إلى وجود أثر إيجابي محدود تمثل في رعاية بعض المسارات السياسية، ودعم جهود التهدئة ووقف إطلاق النار، معتبرًا أن هذه التدخلات غالبًا ما تعزز موازين قوى غير مستقرة، في حين أن دعم المؤسسة العسكرية الوطنية كان سيشكل مسارًا أكثر استدامة للاستقرار.
وتناول الديباني السيناريوهات المحتملة لمستقبل العملية السياسية، موضحًا أن السيناريو الأول يتمثل في استمرار الوضع القائم، وهو الأكثر ترجيحًا، مع بقاء الانقسام السياسي واستمرار نفوذ الميليشيات وتأجيل الحلول الجذرية، ما يعني حالة من الاستقرار الهش مع مخاطر انفجار أمني.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على تسوية سياسية مدعومة أمنيًا، تشمل تشكيل حكومة موحدة، والبدء في توحيد المؤسسات، مع دور محوري للمؤسسة العسكرية في فرض الأمن.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في حسم ميداني جزئي أو شامل، قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى على الأرض وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، وهو ما قد يسرّع توحيد الدولة إذا ترافق مع مسار سياسي منظم.
أما السيناريو الرابع، فيتعلق بتدويل أعمق للأزمة، من خلال فرض حلول خارجية وتقليص القرار الوطني، ما قد يؤدي إلى استقرار شكلي دون سيادة حقيقية.
وتعاني ليبيا من أزمة سياسية معقدة منذ عام 2011، في ظل حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي العميق، بوجود حكومتين متنافستين، إحداهما في طرابلس غربي البلاد وهي حكومة الوحدة الوطنية والأخرى في بنغازي شرقي البلاد مكلفة من البرلمان.
هذا الانقسام يترافق مع ازدواج في المؤسسات السيادية، وأبرزها السلطة التشريعية المتمثلة في مجلس النواب في طبرق، وشريكه الاستشاري وفق اتفاق الصخيرات، والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس.