الغاز الليبي... ثروة مؤجلة بين الانقسام السياسي وفرص إنعاش الاقتصاد

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا، يعود ملف الغاز الليبي إلى الواجهة كأحد أبرز الموارد الطبيعية غير المستغلة بالشكل الكافي، رغم ما تمتلكه ليبيا من احتياطيات واعدة ومواقع استراتيجية قريبة من الأسواق الأوروبية.
Sputnik
ومع تزايد الحديث عن الاكتشافات الحديثة لحقول الغاز، يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية إعادة رسم ملامح الاقتصاد الليبي بعيدًا عن الاعتماد شبه الكلي على النفط، الذي ظل لعقود المصدر الرئيسي للإيرادات العامة.
وبين تحديات البنية التحتية والانقسام السياسي، وفرص الاستثمار والتصدير، يبدو الغاز خيارًا استراتيجيًا قد يسهم في تنويع مصادر الدخل ودعم الميزانية العامة، إذا ما أُحسن استثماره وإدارته.

احتياطيات كبيرة

من جانبه، قال الأكاديمي الليبي ناصر ذاوود إن ليبيا، ومن المعروف لدى الجميع، ليست دولة فقيرة بالغاز، بل تمتلك احتياطيات كبيرة، مع وجود تقديرات غير مؤكدة تشير إلى كميات قد تتجاوز تريليون متر مكعب.
تركيا تحصل على رخصة للتنقيب عن النفط والغاز في ليبيا
وأوضح في تصريح خاص لـ"سبوتنيك" أن هذه الموارد تتيح فرصة حقيقية للاستفادة من الاكتشافات الحديثة، بما يسهم في تخفيف أزمة الكهرباء، وتقليل الاعتماد على استيراد الوقود، إلى جانب إمكانية التصدير وتعزيز العائدات، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على الإيرادات العامة ويدعم مسارات الإصلاح الاقتصادي.
وأشار إلى أن أبرز التحديات يتمثل في الانقسام السياسي، حيث يؤدي وجود حكومتين إلى تعدد مراكز القرار، وما يرافق ذلك من صراع على إدارة العائدات. كما لفت إلى أن الوضع الأمني غير المستقر أو المتذبذب يحدّ من قدرة ليبيا على جذب الشركات الأجنبية للاستثمار في قطاع الغاز، نظرًا لما قد تواجهه من مخاطر تشغيلية واستثمارية.
ورأي أن ليبيا من الناحية الفنية ركزت تاريخيًا على تطوير البنية التحتية لقطاع النفط أكثر من الغاز، ما أدى إلى امتلاك موارد غازية مهمة دون استغلالها بالكفاءة المطلوبة، سواء في الإنتاج أو المعالجة أو التصدير.
ليبيا تراهن على الغاز... 5 مشروعات استراتيجية تعيد رسم خارطة الطاقة
واعتبر ذاوود أن قطاع الغاز قد يشكل عنصرًا مكمّلًا للنفط وليس بديلًا كاملًا، إذ يتميز النفط بسهولة إنتاجه وارتفاع عوائده، فضلًا عن جاهزية بنيته التحتية للتصدير. في المقابل، يتطلب قطاع الغاز استثمارات ضخمة ترتبط عادة بعقود طويلة الأجل، إضافة إلى أن جزءًا كبيرًا من الإنتاج يُستهلك محليًا في توليد الكهرباء، التي تُباع للمواطنين بأسعار مدعومة.
وأكد فيما يتعلق بفرص التصدير إلى أوروبا أن الفرص قائمة، لا سيما مع وجود خط أنابيب فعلي يربط ليبيا بإيطاليا، ما يمنح البلاد ميزة تنافسية. وأشار إلى أنه في حال تحقيق الاستقرار السياسي، يمكن جذب استثمارات حقيقية إلى هذا القطاع، بما يمكّن الغاز من أن يصبح ركيزة ثانية للاقتصاد الليبي إلى جانب النفط.

منافسة محدودة

يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي الليبي، عطية الفيتوري، أن الحديث عن تحول الغاز إلى بديل استراتيجي للنفط في ليبيا لا يزال سابقًا لأوانه، مستبعدًا أن تصل صادرات الغاز إلى مستوى يجعله منافسًا من حيث الأهمية للإيرادات النفطية في المدى القريب.
روسيا وليبيا تؤكدان على تعزيز التعاون وتتابعان وضع ناقلة الغاز المتضررة
وأضاف الفيتوري في تصريحات لـ"سبوتنيك" أن ليبيا تُصدّر بالفعل كميات من الغاز إلى إيطاليا عبر خط أنابيب تديره شركة "إيني" الإيطالية، إلا أن العائدات المالية المتأتية من هذه الصادرات لا تزال محدودة جدًا مقارنة بإيرادات النفط، الذي يظل المصدر الرئيسي للدخل في البلاد.
وأشار إلى أن الانقسام السياسي القائم، ووجود حكومتين متنافستين، يمثلان عائقًا كبيرًا أمام وضع سياسات اقتصادية وإنتاجية مستقرة، وهو ما يحدّ من قدرة ليبيا على تطوير قطاع الغاز واستثماره بشكل فعّال.
وأضاف أن تحقيق استفادة أكبر من موارد الغاز يتطلب أولًا توحيد المؤسسات، وتهيئة بيئة سياسية مستقرة، إلى جانب استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية، بما يضمن زيادة الإنتاج وتعظيم العوائد الاقتصادية مستقبلًا.

خلق البدائل

من جانبه، قال الأكاديمي والخبير الاقتصادي، محمد درميش، إن احتياطي الغاز في ليبيا وفق ما هو منشور من قبل الجهات الدولية المختصة بالطاقة يُقدّر بنحو 177 تريليون قدم مكعب منذ أكثر من عشر سنوات، إلا أن هذا المورد الحيوي لم يُستغل بالشكل الأمثل حتى الآن في تنويع مصادر الدخل القومي أو خلق فرص عمل جديدة.
الجزائر وليبيا في المقدمة... شركات "تضع عينها" على النفط والغاز البري في أفريقيا
وتابع درميش في حديثه لـ"سبوتنيك" أن هناك جملة من التحديات التي تعيق تطوير قطاع الغاز، في مقدمتها غياب إدارة جديدة وفعّالة قادرة على تحسين استغلال هذا المورد الاستراتيجي، إلى جانب استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وعدم الاستقرار الأمني، وهي عوامل مجتمعة تُضعف قدرة الدولة الليبية على الاستفادة من ثرواتها الطبيعية.
وأكد أن الغاز لا يمكن أن يتحول إلى رافد حقيقي لدخل النفط أو داعم فعّال للميزانية العامة، إلا من خلال إصلاحات هيكلية، تبدأ باختيار إدارة كفؤة تقود هذا القطاع وفق رؤية واضحة واستراتيجية طويلة المدى.
وأشار إلى أن الفرص المتاحة أمام ليبيا في قطاع الغاز لا تزال كبيرة ومتميزة مقارنة بعدد من الدول، نظرًا لقربها الجغرافي من أسواق الاستهلاك، خاصة السوق الأوروبية، إضافة إلى امتلاكها موارد مالية وبشرية تؤهلها لتطوير هذا القطاع واستثماره بشكل أفضل، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والاستقرار اللازم.
مناقشة