خبراء يوضحون تداعيات "خطة الترشيد" على الاقتصاد المصري

أثارت قرارات الحكومة المصرية بشأن "خطة ترشيد الطاقة"، التي بدأت تنفيذها في الـ28 من مارس/ آذار الماضى، بإغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء، تساؤلات حول الارتدادات الاقتصادية وحالة من الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
Sputnik
واستثنى قرار الحكومة المصرية الصيدليات والمتاجر الكبيرة والمنشآت السياحية، حيث يطبق قرار الإغلاق في الـ9 مساء طوال أيام الأسبوع ما عدا يومي الخميس والجمعة، إذ تمتد ساعات العمل في المحلات حتى الـ10 مساء.
بسبب الحرب على إيران... مصر تعلن عن خطة عاجلة لترشيد الطاقة
وقبل أيام، صرّح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، أن مصر لديها مخزون من الإمدادات الإستراتيجية يكفي لمدة 6 أشهر، وأن الحكومة تعمل على زيادتها.

وقال مدبولي خلال مؤتمر صحفي عقب اجتماع لمجلس الوزراء: "لدينا ما يكفي من الإمدادات الإستراتيجية لمدة 6 أشهر، لكننا نعمل على زيادتها لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر أخرى".

وأشار أيضا إلى أن السلطات تعمل على ترشيد استهلاك الطاقة لتجنب المزيد من الارتفاع في أسعار الوقود.
وحول تداعيات الخطة المصرية الاقتصادية، قال الدكتور أحمد الشامي، مستشار النقل وأستاذ اقتصاديات النقل ودراسات الجدوى، إن "قرار إغلاق الأنشطة عند الساعة التاسعة مساء هو إجراء إداري وقائي في المقام الأول يهدف إلى إدارة الأزمة وليس تقديم حلول جذرية".
وأوضح أن "الإجراء يسعى لخفض استهلاك الكهرباء في ساعات الذروة وإدارة ضغط الشبكة دون اللجوء لانقطاعات واسعة، مع إرسال إشارة انضباط للسوق".
إيجابيات الخطوة
وأشار الشامي إلى أن "إيجابيات القرار تكمن في الحفاظ على استقرار الشبكة وتقليل الإضاءة التجارية غير الضرورية، إلا أنه يفرض ضغوطًا كبيرة على الأنشطة الليلية كالمطاعم والكافيهات وتجارة التجزئة، مما يتسبب في انخفاض الإيرادات اليومية وتأثير نفسي سلبي على السوق".
مصر تعلن رفع أسعار كل فئات البنزين والسولار
وحول احتمالية اتجاه الدولة لإجراءات أكثر شدة، لفت الدكتور الشامي إلى أن "استمرار الأزمة قد يدفع نحو تصعيد تدريجي يشمل تخفيض إنارة الشوارع والمرافق العامة، وتقليل ساعات العمل الحكومية، ورفع أسعار الكهرباء للقطاع التجاري، وصولًا إلى السيناريو الأخطر اقتصاديا وهو التقنين الصناعي الجزئي، الذي يؤثر مباشرة على الإنتاج والتصدير".
الضغط على الميزانية

وذكر الشامي أن "ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يضغط على الميزانية المصرية من ثلاثة اتجاهات رئيسية، هي زيادة أعباء الدعم، وتكلفة استيراد الطاقة التي تضغط على العملة الأجنبية، وارتفاع تكلفة الإنتاج الحكومي في المرافق العامة، مما يؤدي لتوسيع عجز الموازنة".

وحدد الشامي الصناعات الثقيلة كالحديد والإسمنت والأسمدة كأول المتضررين، تليها السياحة والضيافة، ثم قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والزراعة، مشددًا على أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تظل الأكثر هشاشة لعدم قدرتها على امتصاص زيادة التكاليف.
وحذّر من "آثار بعيدة المدى تتمثل في تآكل القوة الشرائية نتيجة انخفاض دخل الأفراد، واحتمالات خروج مشروعات صغيرة من السوق، وزيادة الأنشطة في الاقتصاد غير الرسمي لتفادي القيود، فضلًا عن تباطؤ الاستثمار لربط المستثمر قراره باستقرار التشغيل".

وشدد على أن "الدولة مطالبة بالموازنة بين استقرار الطاقة وعدم خنق النشاط الاقتصادي، والمسار الأفضل يتطلب التوسع في الطاقة المتجددة، واعتماد تسعير مرن بدلًا من الإغلاق العام، مع توجيه الدعم للصناعات الإستراتيجية فقط وتحفيز كفاءة الطاقة".

وخلص الشامي إلى أن "الإغلاق يظل إجراء مؤقتًا، وأن الخطر الحقيقي يكمن في تراجع الاستثمار، مما يحتّم تبني حلول إستراتيجية ترتكز على إدارة الطلب وزيادة الإنتاج ورفع كفاءة منظومة الطاقة بالكامل".
رئيس الوزراء المصري: مصر لديها إمدادات استراتيجية تكفيها لمدة ستة أشهر
في الإطار، أكد الدكتور فتحي السيد يوسف، مدرّس الاقتصاد بجامعة بنها والخبير الاقتصادي بمركز دعم القرار، أن "الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة والصراعات الإقليمية ألقت بظلال ثقيلة على الاقتصاد العالمي والمصري على حد سواء"، موضحًا أن "مصر تأثرت بشدة لكونها مستوردًا صافيًا للطاقة، مما شكل ضغطًا كبيرًا على قيمة الجنيه المصري".
وأضاف السيد يوسف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن "قيمة الجنيه شهدت تراجعًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، حيث ارتفع سعر صرف الدولار من حوالي 47 جنيها إلى نحو 55 جنيها في السوق الرسمية، في حين أن الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة العالمية أربك ميزانيات الحكومات، حيث كانت معظم الموازنات، ومنها المصرية، تضع تقديراتها بناءً على سعر برميل نفط يتراوح بين 65 و70 دولارا، بينما تجاوزت الأسعار الحالية هذه الأرقام بكثير، مما أدى إلى زيادة عجز الموازنة".
وحول الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية للتغلب على هذه التداعيات، أشار يوسف إلى أن الدولة تبنت رؤية استباقية لإدارة الأزمة شملت:
-تقليل استهلاك الكهرباء والطاقة، عبر تطبيق نظام العمل "أونلاين" يومًا في الأسبوع لموظفي القطاعين العام والخاص.
-رفع الدعم تدريجيًا، بزيادات تقدّر بين 12% إلى 15% بهدف تقليل الاستهلاك وتخفيف الضغط عن الموازنة العامة، وأن زيادة عجز الموازنة تؤدي بالضرورة إلى مزيد من التضخم وارتفاع الأسعار.
-الحفاظ على الفائض الأولي لضمان القدرة على سداد الدين العام والوفاء بالالتزامات الدستورية تجاه المواطنين.
وبشأن خطط الترشيد وساعات إغلاق المحال التجارية، اعتبر الدكتور يوسف أن "هذه الإجراءات ليست غريبة على المستوى العالمي، مستشهدًا بعدد من الدول، حيث يبدأ العمل مبكرًا (من الخامسة صباحا) وتغلق جميع المولات والمحال في العاشرة مساء، باستثناء المرافق الحيوية كالصيدليات والمستشفيات.
مجتمع
بدء إنتاج الغاز من حقل في البحر المتوسط.. مصر تعلن عن خطوة جديدة تحد من أزمة الطاقة بالبلاد
وشدد الدكتور يوسف على "ضرورة دراسة نتائج هذه القرارات بشكل دقيق، وتقييم مدى نجاحها في خفض الاستهلاك الفعلي خلال فترات زمنية محددة (مثل شهر)، وبناء على تلك النتائج يمكن التوسع في تفعيلها أو تعديلها بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحقق الحيز المالي المطلوب للدولة".
تداعيات اقتصادية
وفي أوائل شهر مارس/ آذار الماضي، ارتفعت أسعار الوقود في مصر بسبب الوضع في الشرق الأوسط. وعلى وجه التحديد، ارتفع سعر لتر البنزين بمقدار ثلاثة جنيهات مصرية (0.06 دولار أمريكي).
وبهدف ترشيد استهلاك الطاقة، قررت السلطات المصرية تقليص ساعات عمل المطاعم والمتاجر والمراكز التجارية. وقد دخلت هذه الإجراءات حيّز التنفيذ في الـ28 من الشهر الآنف الذكر، وستستمر لمدة شهر على الأقل.
كما قررت السلطات إطفاء أضواء اللوحات الإعلانية وتقليص إضاءة الشوارع خلال هذه الفترة. وسيتوقف استمرار هذه الإجراءات على وضع الكهرباء. وأشار وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، إلى أن هذه الإجراءات الحكومية لن تؤثر على البنية التحتية السياحية.
مناقشة