وأصدر رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسَّان، الأسبوع الماضي، قرارًا يقضي بترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في جميع المؤسسات الحكومية والدوائر الرسمية والهيئات العامة، منها منع استخدام المركبات الحكومية إلا للأغراض الرسمية، ومنع استخدامها خارج أوقات الدوام الرسمي، وإلغاء جميع الموافقات والاستثناءات السابقة بهذا الخصوص.
كما قرر إيقاف سفر الوفود واللجان إلى الخارج لمدة شهرين اعتبارًا من تاريخه، إلا للضرورة القصوى، ومنع استخدام المكيفات وأي وسائل تدفئة أخرى في الوزارات والدوائر الحكومية.
ويرى مراقبون أن القرارات والإجراءات الحكومية ضرورية واحترازية من أجل محاولة تفادي الآثار السلبية للحرب، بيد أن الأوضاع قد تتدهور إلى الأسوأ، ما يتطلب إجراءات أكثر شدة، مؤكدين على ضرورة اتخاذ سياسة مرنة لمواجهة الأعباء الاقتصادية في قادم الأيام.
إجراءات احترازية
قال الدكتور أمين مشاقبة، الخبير السياسي الأردني ووزير التنمية المحلية الأسبق، إن الحكومة الأردنية اتخذت سلسلة من الإجراءات الاقتصادية الاحترازية، شملت منع السفر والمشاركة في المؤتمرات، بالإضافة إلى تقنين استخدام السيارات الحكومية.
وأكد في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن هذه الخطوات تأتي في سياق الحفاظ على موارد الطاقة، وصيانة المال العام، في ظل الارتفاع العالمي في الأسعار، جراء الحرب الدائرة ما بين إيران وأمريكا وإسرائيل.
وأضاف أن قرار رفع أسعار البنزين بمقدار 9 قروش للتر الواحد يصب في مصلحة تقليص استهلاك المحروقات وضبط العجز المالي، مشددًا على أن الضرورة تقتضي التكيف مع المتغيرات السعرية لضمان استدامة الموارد.
وعلى الصعيد الأمني، أكد مشاقبة رفض الأردن القاطع لأي استهداف إيراني لأراضيه، مشددًا على أن حماية السيادة الوطنية فوق كل اعتبار، مشيرًا إلى أن القوات المسلحة والأجهزة المعنية تعاملت بحزم مع التهديدات الجوية، حيث تم إسقاط نحو 286 صاروخًا وطائرة مسيّرة حاولت اختراق الأجواء الأردنية.
وأوضح أن سقوط عدد من الصواريخ الباليستية على مواقع مختلفة أدى إلى إلحاق أضرار مادية في منازل المواطنين بعدة مناطق، مؤكدًا أن الأردن لن يسمح بأن تكون ساحته ميدانًا لتصفية الحسابات أو الاعتداء على أمن مواطنيه.
وشدد مشاقبة على الموقف الأردني الثابت الذي يتمثل في رفض أي اعتداء يطال الدول العربية الشقيقة، داعيًا إلى ضرورة تغليب لغة العقل وإيجاد حلول دبلوماسية شاملة.
ويرى أن التفاوض بين أطراف النزاع هو السبيل الوحيد لإنهاء حالة التوتر في المنطقة بعيدًا عن الحلول العسكرية التي تهدد الاستقرار الإقليمي.
سياسة مرنة
من جانبه، قال حمادة أبو نجمة، الخبير القانوني الأردني، إن في ظل التصعيد الإقليمي واحتمالات اتساعه، يمكن قراءة إجراءات التقشف وترشيد الاستهلاك كاستجابة وقائية مبكرة لمخاطر الحرب الاقتصادية، خاصة ما يتعلق بارتفاع كلف الطاقة واضطراب سلاسل التوريد وتزايد الضغوط على المالية العامة.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن هذه الإجراءات تهدف أساسًا إلى حماية الاستقرار المالي، ومنع انتقال الصدمة الخارجية بسرعة إلى الداخل، وهو توجه مفهوم في مرحلة تتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين.
وأشار أبو نجمة إلى أن الأزمة ما تزال في بداياتها، وأن تداعياتها قد تتفاقم إذا استمرت الحرب لفترة أطول أو اتسع نطاقها، وفي هذه الحالة من المتوقع أن نشهد آثارًا مباشرة على الشركات والمشاريع، خاصة الصغيرة والمتوسطة، من حيث تراجع الطلب وارتفاع الكلف التشغيلية، ما قد يؤدي إلى صعوبات مالية أو تعثر بعضها.
وتابع: "وربما نشهد اللجوء إلى تخفيض الأجور أو فقدان وظائف، ويمكن القياس هنا على تجربة جائحة كورونا، حيث بدأت الإجراءات احترازية ثم تطورت إلى تدخلات أوسع لدعم الاقتصاد".
ويرى أبو نجمة أن التقشف وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون جزءًا من سياسة مرنة ومتدرجة تجمع بين الانضباط المالي وتوفير أدوات دعم للقطاعات المتضررة، بما يحد من الانعكاسات السلبية على التشغيل ومستويات المعيشة.
وأوضح أن ملف الطاقة يمثل أحد أبرز مصادر القلق للأردن في المرحلة الحالية، نظرًا لاعتماد الأردن الكبير على الاستيراد لتلبية احتياجاته من النفط والغاز، فأي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع حاد في الأسعار العالمية، خاصة في حال تأثر ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، سينعكس مباشرة على كلف الإنتاج والنقل والكهرباء، وبالتالي على أسعار السلع والخدمات.
واعتبر الخبير الأردني أن هذا ما يفسر حساسية الإجراءات الحكومية في هذا المجال، ويدفع باتجاه سياسات أكثر حذرًا في إدارة الاستهلاك، ومع استمرار الأزمة قد يصبح من الضروري اتخاذ إجراءات إضافية تتعلق بإدارة الطلب على الطاقة، أو تقديم دعم انتقائي للقطاعات الأكثر تضررًا، إلى جانب تسريع التوجه نحو بدائل الطاقة المحلية لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة مثل هذه الصدمات، وهذه كلها تتطلب إجراءات معقدة ومكلفة.
وأنهى حديثه قائلًا: "وبدأت الأزمة فعليًا بعد انقطاع الغاز الذي يستخدمه الأردن لتوليد الكهرباء بشكل خاص، وهو ما أدى إلى كلف إضافية نتيجة اضطرار الأردن لاستخدام مواد بديلة كالغاز المسال أو البترول".
وتواصل الولايات المتحدة وإسرائيل، منذ 28 فبراير/شباط الماضي، شن سلسلة من الغارات على أهداف في إيران، بما في ذلك العاصمة طهران، ما خلّف أضرارًا كبيرة وسقوط ضحايا مدنيين واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وعدد من قادة الحرس الثوري والجيش.
وردّت إيران بشن غارات صاروخية على الأراضي الإسرائيلية، وكذلك على منشآت عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية، وتوعّدت بـ"رد غير مسبوق".
وردّت إيران بشن غارات صاروخية على الأراضي الإسرائيلية، وكذلك على منشآت عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية، وتوعّدت بـ"رد غير مسبوق".