وأعلنت وزارة التشغيل التونسية، في بيان تلقت "سبوتنيك" نسخة منه، الشروع في تنفيذ هذه المرحلة في إطار التعاون الدولي مع الاتحاد الأوروبي، وبالشراكة مع الديوان الفرنسي للهجرة والاندماج، بهدف تعزيز مسارات الهجرة المهنية النظامية بين دول شمال أفريقيا ودول الاتحاد.
وكشف وزير التشغيل، أنه وفق نتائج المرحلة الأولى من المشروع (2022-2025)، تمكن أكثر من 500 مستفيد من الالتحاق بفرص عمل في فرنسا، لا سيما في قطاعات تعاني نقصا في اليد العاملة، مثل الفلاحة والرعاية والصناعة والسياحة والمطاعم، إلى جانب دعم قابلية تشغيل نحو 1000 شخص عبر برامج تكوين تكميلية.
وأفادت وزارة التشغيل والتكوين المهني بأن المشروع يستند إلى مقاربة متكاملة تربط بين التكوين والتشغيل والهجرة، حيث يتم إعداد المترشحين داخل تونس من خلال برامج تدريب مهني متخصصة تتماشى مع احتياجات السوق الأوروبية، مع تعزيز مهاراتهم اللغوية، خاصة في اللغة الفرنسية المهنية، بما يسهم في تسهيل إدماجهم في بيئات العمل بالخارج. كما أوضحت أن هذه المرحلة الجديدة من المشروع ستتواصل إلى غاية سنة 2030.
تكريس لمبدأ الانتقائية والفرز
وفي السياق، قال رئيس جمعية "الأرض للجميع" الداعمة لقضايا المهاجرين، عماد السلطاني، في حديث لوكالة "سبوتنيك": "إطلاق مسارات للهجرة الآمنة لن يفتح سوى نوافذ محدودة أمام الراغبين في الهجرة، وضمن شروط يضبطها الطرف الأوروبي بما يخدم أولوياته".
وأضاف: "هذه الاتفاقية تمثل حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات التي تطال حقوق المهاجرين التونسيين، كما أنها لا تتماشى مع مبدأ حرية التنقل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، بل تعيد تكريس منطق الانتقائية والفرز".
وتابع السلطاني: "الاتحاد الأوروبي يسعى، من خلال الترويج لهذه المبادرات، إلى تحسين صورته لدى الرأي العام التونسي، غير أنه يعمل في المقابل على تعزيز حضوره ونفوذه في منطقة المتوسط، ودفع تونس للاضطلاع بدور حارس لحدوده الخارجية، وهو ما ترفضه الكثير من المنظمات الحقوقية في البلاد.
وأشار إلى أن "الاتفاق المبرم مع الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران 2023 ساهم في تعميق أزمة الهجرة، وارتفاع وتيرة ترحيل المهاجرين التونسيين من الدول الأوروبية"، معتبرا أن المشروع الجديد "لا يخرج عن كونه صيغة أوروبية بديلة لإدارة الملف، قد يكون من بين أبرز تداعياتها استنزاف الكفاءات المهنية المتخصصة في كثير من القطاعات".
مسار محدود
وفي السياق ذاته، أفاد النائب السابق عن دائرة إيطاليا، مجدي الكرباعي، أن "التجارب السابقة لمسارات الهجرة أظهرت بوضوح محدودية التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي، وعدم قدرته على الاستجابة الفعلية لتطلعات الشباب الراغب في الهجرة".
وأشار الكرباعي، في حديث لـ "سبوتنيك"، إلى أن "هذا المشروع لن يكون متاحا لجميع الحاصلين على تكوين أو تدريب مهني"، مبرزا أن "الاستفادة منه ستظل مشروطة بمعايير انتقائية يحددها الطرف الأوروبي".
وأضاف: "الاتحاد الأوروبي يظل الطرف الوحيد القادر على فرض شروط وإملاءات الولوج إلى فضائه، وفق احتياجات سوق الشغل لديه، لا وفق حاجيات وإرادة الشباب التونسي، وهو ما يطرح، إشكالا يتعلق بتكافؤ الفرص والعدالة في النفاذ إلى هذه المسارات".
وتابع: "عدد التونسيين الذين سيشملهم هذا المسار سيكون محدودا جدا مقارنة بحجم الطلب المتزايد على الهجرة"، مشيرا إلى أن "عملية الاختيار ستتم بشكل انتقائي، بناء على كفاءات محددة وإجراءات يضبطها الجانب الأوروبي، وهو ما لا يضمن مبدأ الإنصاف".
كما ذكّر الكرباعي بأن "رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تعهّدت سابقا، عقب توقيع اتفاقية الشراكة مع تونس عام 2023، بتوفير عقود عمل لمئات العمال التونسيين، إلا أن هذه الوعود لم تُترجم فعليا على أرض الواقع".
ولفت إلى أن "تونس تواجه ضغوطا أوروبية متزايدة من أجل تشديد الرقابة على سواحلها والحد من انطلاق قوارب الهجرة غير النظامية نحو الضفة الشمالية للمتوسط".
خطوة تستدعي المراقبة
وتساءل الناشط في مجال الهجرة، مجدي الكرباعي، "إذا كانت هناك آليات فعلية لمتابعة أوضاع التونسيين الذين سيتم اختيارهم ضمن هذا المسار، بعد دخولهم إلى الفضاء الأوروبي وبدء تطبيق الاتفاقية؟".
وقال في حديث لـ"سبوتنيك": "حتى تنجح هذه الاتفاقية، لا بد من توفير آليات مراقبة صارمة، وضمان قدر عال من الشفافية في عمليات الانتداب، تفاديا لأي تجاوزات قد تمس حقوق المهاجرين".
ويرى الكرباعي أن "هذه الاتفاقية لا تعدو أن تكون أداة أوروبية جديدة لإدارة ملف الهجرة، تقوم على فتح مسارات محدودة ومنظمة، مقابل تشديد أكبر على الهجرة غير النظامية، في إطار مقاربة توازن بين الحاجة إلى اليد العاملة وضبط الحدود".
وأكد أن "هذا المسار قد يمثل جزءا من الحل عبر إتاحة فرص عمل منظمة لفائدة الشباب"، غير أنه حذّر من أن "غياب ضمانات حقيقية لحماية الحقوق قد يحوّله إلى حلقة جديدة من الاستغلال للمهاجرين التونسيين".
و يعتبر الديوان الفرنسي للهجرة أن مشروع "الهجرة المهنية الآمنة"، الذي يُنفّذ بالشراكة مع وزارة التشغيل والتكوين المهني، يمثّل بديلا عمليا للهجرة غير النظامية، من خلال توفير قنوات قانونية ومنظمة للنفاذ إلى سوق الشغل الأوروبية.