رصدت منظمات حقوقية ولجان عدالة دولية مقتل 56 مدنيًا، بينهم 17 طفلًا، وإصابة 107 آخرين في تلك الواقعة التي ارتكبتها الطائرات المسيّرة.
ويرى مراقبون أن تلك العمليات التي لا تراعي حرمة الحياة المدنية يجب أن يتم ملاحقة مرتكبيها محليًا ودوليًا، خاصة أن تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن عدم محاسبة هؤلاء يؤدي إلى التمادي في ارتكاب مثل تلك الجرائم ومرورها دون عقاب، وقد شهد السودان خلال الحرب الحالية، التي تكمل اليوم عامها الثالث، العديد من الجرائم التي تم التنديد بها دوليًا منذ البداية، لكنها تكررت لتأخر العقاب.
أضف إلى ذلك أن الجرائم ضد المدنيين لا تسقط بالتقادم، وأن العدوان والقصف غير المبرر على مناطق المدنيين، واستهداف تجمعاتهم بالطائرات المسيّرة دون مراعاة لحرمة الحياة المدنية التي كفلها القانون والعرف الدوليين، والقوانين والأعراف المحلية في الدول، قد يؤدي إلى انفلات أمني وفوضى غير مسبوقة.
إلى متى يستمر الصراع في السودان ودفع المدنيين فاتورة الحرب من دمائهم؟
بداية يقول الدكتور عادل عبد الباقي، رئيس منظمة الدفاع المدني السوداني، إن الحرب في السودان لم تحصد سوى مزيد من الدماء والدموع، مؤكدًا أنه منذ اندلاعها في الخامس عشر من أبريل/ نيسان عام 2023، ظلّ الشعب السوداني يعاني من أوضاع إنسانية وأمنية مزرية ومعقدة للغاية، في ظل تصاعد الصراع بين أطرافه المتمثلة في الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلى جانب الحركات والتنظيمات المسلحة المتحالفة مع كلا الطرفين.
تداعيات الحرب
وأضاف عبد الباقي في حديثه لـ"سبوتنيك": "إن الأوضاع الإنسانية والاقتصادية تفاقمت بشكل كبير، حيث يعاني أكثر من 30 مليون نسمة من تداعيات الحرب"، مشيرًا إلى استمرار موجات اللجوء والنزوح داخل السودان وخارجه.
وتابع عبد الباقي: "إن الأسبوعين الماضيين شهدا تصعيدًا في العمليات العسكرية بعدة ولايات، لا سيما في إقليم النيل الأزرق وجنوب كردفان"، لافتًا إلى أن تطور الحرب واستخدام الأسلحة الحديثة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة، أدى إلى استهداف المدنيين، خاصة في مناطق كردفان والنيل الأزرق، ما أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا منذ اندلاع الحرب.
وأوضح رئيس منظمة الدفاع المدني أن الجهود والمبادرات الإقليمية والدولية التي سعت إلى خفض وتيرة النزاع خلال العامين الماضيين، بمشاركة عدد من الدول، منها الإمارات والسعودية ومصر والولايات المتحدة، لم تحقق أهدافها، بسبب تعنّت الأطراف واستمرار القتال، ما أدى إلى فشلها في التوصل إلى حل للأزمة.
وأشار إلى أن الوضع الإنساني والأمني بلغ مرحلة بالغة الخطورة، وفقًا لتقارير منظمات المجتمع المدني في عدة ولايات، لا سيما في الخرطوم وكردفان والشمالية، مؤكدًا أن المعسكرات تعاني من نقص حاد في الغذاء والدواء، حتى إن بعض الأسر لا تحصل على وجبة واحدة يوميًا.
واستطرد: "البلاد تشهد تفلتات أمنية خطيرة تمثل تهديدًا مباشرًا على المدنيين وممتلكاتهم، في ظل ضعف الحماية وانعدام الاستقرار".
تراجع الاهتمام
وأكد عبد الباقي على تراجع الاهتمام الدولي بتقديم الدعم الإنساني للسودان، فضلًا عن ضعف المبادرات الهادفة لتحقيق السلام، موضحًا أن التطورات الإقليمية في منطقة الخليج العربية وانعكاساتها الاقتصادية أثّرت على توفير الوقود وسير عمليات الإغاثة ونقل المساعدات، ما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية، خاصة في مناطق النزاع.
وأوضح أنه يتم متابعة التحركات الجارية من قبل القوى السياسية والمدنية، ومنها مؤتمر برلين الهادف إلى إيجاد حل للأزمة، لافتًا إلى أن أي مبادرات تستثني أطرافًا فاعلة على الأرض قد لا تسهم في تحقيق تقدم حقيقي نحو السلام والاستقرار.
وشدد عبد الباقي على ضرورة التوصل إلى توافق شامل بين جميع الأطراف المتنازعة، والجلوس إلى طاولة المفاوضات، لإنهاء الأزمة عبر مبادرة إقليمية ودولية محايدة، تلبّي تطلعات الشعب السوداني، وتحقق الأمن والاستقرار في البلاد.
المسؤولية الكاملة
من جانبها، تدين الباحثة في الشأن السوداني، فاطمة لقاوة، بأشد العبارات الجريمة البشعة المتمثلة في قصف حفل زفاف ببلدة كتم في ولاية شمال دارفور باستخدام طائرات مسيّرة، ودعت إلى محاسبة المسؤولين عن تلك الجريمة.
وأضافت في حديثها لـ"سبوتنيك": "إن استهداف تجمع مدني في مناسبة اجتماعية ليس خطأ عسكريا، بل جريمة متعمدة تعكس نهجا ممنهجا في استخدام الطائرات المسيّرة كأداة للقتل الجماعي، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة مبدأي التمييز والتناسب".
وقالت لقاوة، إن هذه الأفعال ترقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان، تستوجب المساءلة الجنائية الدولية، ولا تسقط بالتقادم أو بالتبرير العسكري.
تحقيق دولي
وطالبت الباحثة السودانية بفتح تحقيق دولي عاجل ومستقل تحت إشراف آليات دولية مختصة، لضمان توثيق الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها، وإحالة ملف الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية، لملاحقة المسؤولين وكل من يثبت تورطه في إصدار الأوامر أو تنفيذها، إضافة إلى فرض عقوبات دولية فورية تشمل حظر السفر، وتجميد الأصول، ووقف أي تعاون عسكري.
ودعت لقاوة، إلى ضرورة حظر استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة ضد المناطق المدنية عبر رقابة دولية صارمة، مشيرة إلى أن الصمت على هذه الجرائم لم يعد حيادًا، بل تواطؤًا، وأن استمرار استهداف المدنيين بهذه الوحشية يكشف أن هذه الحرب تدار بعقلية الانتقام.
وختمت بالقول إن العدالة لن تتحقق إلا بمحاسبة من أصدر الأوامر، لا فقط من نفذها، لأن دماء المدنيين في كتم ليست أضرارًا جانبية، بل جريمة يجب أن يُحاسَب مرتكبوها.
ويشهد السودان منذ أبريل/نيسان 2023 اشتباكات عنيفة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وكان الجيش قد أعلن في مارس الماضي أنه طرد المتمردين من العاصمة الخرطوم، فيما كثّفت قوات الدعم السريع هجماتها في غرب وجنوب البلاد في أبريل، معلنة تشكيل حكومة منافسة.