ما فرص نجاح الحوار الوطني الذي أعلنته الحكومة السودانية وهل تشارك "الدعم السريع" فيه؟

أعلن كامل إدريس، رئيس مجلس الوزراء في السودان، أن حكومته تعمل جاهدة خلال الأيام القادمة لبلورة تفاصيل حوار سياسي وطني شامل لا يقصي ولا يستثني أحدًا، على أن تكتمل التفاصيل قبل نهاية شهر مايو/أيار القادم، تمهيدًا للوصول إلى عملية تنظيم انتخابات نزيهة وحرة تحت رقابة دولية كاملة.
Sputnik
وقال إدريس في تصريحات إعلامية: "إن الحكومة بصدد اتخاذ إجراءات لتهيئة المناخ للحوار بين الفرقاء، بما في ذلك تسهيل عودة المعارضين من الخارج"، مشددًا على أن "العملية السياسية المرتقبة ستكون شاملة ولن تقصي أحدًا، بهدف الخروج بتوافقات عريضة حول التحديات المطروحة على البلاد، مثل التحديات الأمنية وآليات الحكم"، مبينًا أن "العملية السياسية ستنطلق من الخرطوم أو أي مدينة أخرى في البلاد".
ويرى مراقبون أن دعوة إدريس أو إعلانه عن حوار وطني شامل لا يستثني أحدًا هي دعوة غير واقعية في الوقت الراهن، وقد سبق أن تحدث رئيس الحكومة في الداخل والخارج عن السلام وقدم مبادرة للمنظمة الدولية والعالم، لكنه في الوقت نفسه يرفض كل المبادرات الدولية والإقليمية المطروحة للتهدئة.
الأمر الذي يشير إلى أن مبادرة إدريس، التي تستبعد الفصيل الرئيسي في الحرب من الحوار، لن يكون لها جدوى، وأن التحديات التي تقف أمامها لا يمكن تجاوزها. وكان يفترض أن تكون هناك مبادرة شاملة لا تستثني ولا تقصي أحدًا لإنهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة لبناء السودان.
هل ينجح كامل إدريس في لمّ شمل السودانيين في حوار شامل وفق التصريحات التي أدلى بها؟
بعد جريمة حفل الزفاف في كتم... متى تتوقف المسيرات عن حصد أرواح المدنيين في السودان؟

حوار شامل

بدايةً، يقول المسؤول السابق في الحكومة السودانية، الدكتور ربيع عبد العاطي، إن القوى السياسية معروفة تمامًا في السودان، ومن الواضح أن هناك أحزابًا تقليدية إلى جانب أحزاب عادت إلى الواجهة مؤخرًا. وهذا، في تقديره، ما قصده رئيس الوزراء كامل إدريس عند حديثه عن حوار وطني شامل لا يستثني أحدًا. ولكن فيما يبدو، فإن الحركات المسلحة أو المتمردين (الدعم السريع ومن معه) لا يشملهم هذا الطرح أصلًا، لأن ما يحدث يُعد تمردًا صريحًا.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "هذا التمرد هو الذي يواجه الشعب السوداني الآن، ولا أعتقد أن هناك مجالًا لقبول هؤلاء المتمردين الذين تمردوا على السلطات العامة، وانتهكوا حقوق المواطنين، ونهبوا وسرقوا، وارتكبوا انتهاكات جسيمة. وبالتالي، لا أرى أن تصريح رئيس الوزراء يشمل هذه الفئة، وإنما يُفهم منه أنه يقصد القوى السياسية، سواء كانت تقليدية أو حديثة".
وتابع عبد العاطي أن الحديث يدور عن عملية سياسية وليست عسكرية، حيث قد تستمر الحرب كما هي، ولكن في المقابل هناك دعوة لتشكيل قوة سياسية يمكن أن تمثل نواة للحل في المستقبل، بينما يظل التفاوض مع أي قوة متمردة أو مع التمرد نفسه أمرًا مستبعدًا ما لم تخضع تلك الفئة لسيادة الدولة وتسلم سلاحها.
الكتلة المدنية للسلام والتنمية بالسودان لـ"سبوتنيك": مؤتمر برلين لن يقدم حلولا ومصيره الفشل

طرف مباشر

ويرى المسؤول السابق أنه إذا نظرنا إلى التجارب السابقة في السودان وما حدث من عمليات تمرد عسكري، فإنه في النهاية تم الجلوس للحوار. لكن الحالات السابقة التي شهدتها البلاد كانت عسكرية ولم تنتهك حقوق المدنيين كما يحدث الآن. والسبب في استثناء الوضع الحالي أن التمردات السابقة لم تكن موجهة ضد الشعب السوداني نفسه، بل كانت بين أطراف سياسية أو ضد الحكومة، ولم يكن الشعب طرفًا مباشرًا فيها.
وأشار عبد العاطي إلى أن التمرد الحالي امتد إلى داخل البيوت السودانية، وارتبط بأعمال نهب وسرقة وانتهاكات خطيرة، ولذلك لا أرى أي قبول له. ولو كانت المسألة مجرد تمرد قائم على مطالب سياسية، لكان من الممكن النظر فيها كما حدث في السابق، حيث كانت الحركات المتمردة تستند إلى مبررات سياسية. لكن ما نراه الآن يختلف تمامًا، إذ لم تكن هناك حركة سياسية في السابق ارتكبت مثل هذه الجرائم والفظائع والبشاعات التي ارتكبها هؤلاء.
بعد تحذيرات دولية من وقوع الكارثة.. ما حقيقة "المجاعة" التي تضرب مناطق واسعة في السودان؟

تكرار التصريحات

من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي السوداني، عثمان ميرغني، إن كلمة "حوار سوداني" حتى الآن عبارة إيحائية لا تحتوي على تفاصيل، ولم تُذكر تفاصيل في كل المرات التي قيلت فيها هذه العبارات، وتكررت كثيرًا.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "التصريحات الأخيرة لرئيس الحكومة السودانية كامل إدريس حول المبادرة الشاملة للحوار الوطني التي لا تستثني أحدًا، هي نفسها المبادرة التي تقدم بها رئيس الحكومة قبل أسابيع إلى مجلس الأمن، والتي أطلق عليها "المبادرة السودانية"، وفيها أيضًا دعوة للحوار السوداني، لكن دون تحديد تفاصيل هذا الحوار".
وتابع ميرغني أن عبارة "لا يستثني أحد" الواردة في تصريحات رئيس الحكومة لا يقصد بها الأطراف المنضوية تحت لواء التحالف، بل يقصد فقط المجموعات السياسية الأخرى مثل "صمود" وغيرها، التي لديها قرارات سياسية مخالفة أو معارضة، لكنها ليست جزءًا من أي تشكيل عسكري.
وهناك اعتبارات أخرى تمنع أن تكون قوات الدعم السريع جزءًا من أي عملية سياسية، في تقدير الحكومة وليس في تقديره الشخصي.

غياب التفاصيل

ويعتقد المحلل السياسي أنه حتى الآن، بصورة مؤكدة، لا توجد أي تفاصيل داخل أروقة الحكومة السودانية على مستوى مجلس السيادة أو مجلس الوزراء فيما يتعلق بالحوار.
وما جرى التصريح به هو فقط عنوان عريض لمحاولة اكتساب نوع من التواصل مع الجهات الدولية الداعية للحوار، لكن دون تحديد أي تفاصيل حتى هذه اللحظة.
"شبكة أطباء السودان": مقتل 28 شخصا وإصابة 39 آخرين جراء هجوم للـ"دعم السريع" على منطقة مستريحة
وأوضح أن تصريحات رئيس الحكومة حول الحوار الوطني الشامل يمكن اعتبارها محاولة لمدّ اليد للسلام، لكن دون تحديد الأطراف أو الآليات.
وأشار ميرغني إلى أنه حتى الآن لا توجد استجابة واضحة للدعوات العالمية للتسوية السياسية والسلام، وحتى "المبادرة الرباعية" تتضمن بنودًا واضحة حول الهدنة والعملية السياسية، لكن الحكومة أعلنت رفضها مرارًا لكل المبادرات الدولية، ولم تتقدم بمبادرة واضحة، باستثناء خطوط عريضة دون تفاصيل.

تحديات كبرى

بدوره، يقول المحلل السياسي السوداني، وليد علي، إن رئيس الوزراء تأخر كثيرًا جدًا في إطلاق هذه الدعوة والمبادرة، إذ كان من المأمول أن تكون من أوائل قراراته.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن هذا التأخر جعل الدعوة تواجه تحديات أكبر، أبرزها: من هي الأطراف التي ستُدعى لهذا الحوار؟ وهل سيكون حوارًا شاملًا فعلًا أم حوارًا انتقائيًا لبعض المجموعات المنسجمة مع توجهات الحكومة؟
وأكد أنه لا يتصور أن يكون الدعم السريع مقصودًا في هذه الدعوة أو طرفًا في الحوار، لأنه جهة متمردة ومسلحة، بينما يفترض أن يكون الحوار للمجموعات المدنية غير الحاملة للسلاح.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل ستُدعى المجموعات المعارضة مثل "صمود"، أم سيتم إقصاؤها عبر اتهامها بالارتباط بالدعم السريع؟
وأضاف أن النقطة الثانية تتعلق بالجهة التي ستتولى رعاية الحوار وإدارته: هل ستكون لجنة حكومية أم لجنة مستقلة بصلاحيات كاملة بعيدًا عن التأثير الحكومي..ولفت إلى أهمية اختيار شخصيات قومية ومحايدة ومدنية معروفة.
وأشار إلى أن الهدف ليس إضعاف أي طرف، بل الوصول إلى حد أدنى من التوافق بين القوى المدنية، بما يسمح بإطلاق مبادرة سياسية يمكن أن يقبلها الجيش والدعم السريع، لأن المشكلة الحالية أن أي مبادرة تُقبل من طرف وتُرفض من آخر بسبب غياب التنازلات والحياد.
تحقيق أممي: قتل جماعي بعد سيطرة "الدعم السريع" على الفاشر
وفي أبريل/نيسان 2023، اندلعت اشتباكات عنيفة وواسعة النطاق بين قوات الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في مناطق متفرقة من السودان، حيث يحاول كل طرف السيطرة على مواقع حيوية.
وجاءت الخلافات بين رئيس مجلس السيادة وقائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، إلى العلن بعد توقيع "الاتفاق الإطاري" المؤسس للفترة الانتقالية، والذي أقر بخروج الجيش من السياسة وتسليم السلطة للمدنيين.
واتهم دقلو الجيش السوداني بـ"التخطيط للبقاء في الحكم وعدم تسليم السلطة للمدنيين"، فيما اعتبر الجيش تحركات قوات الدعم السريع "تمردًا ضد الدولة".
وأسفرت الحرب عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، بعضهم إلى دول الجوار، إضافة إلى أزمة إنسانية تُعد من الأسوأ في العالم، بحسب الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
مناقشة