أفاد تقرير استراتيجي مقارن حديث عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD)، تحت عنوان "الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل أسواق العمل في الدول العربية والإفريقية أفق 2030-2035″، بأن المغرب يمر حاليا بـ"مرحلة وسطية حساسة" تتسم بضغط تحولي مرتفع سيؤدي إلى تحول بنيوي شامل في سوق الشغل الوطني.
وحسب المعطيات التي أوردها مركز الدراسات الاستراتيجية والرقمية، فإن نحو 1,5 ملايين منصب شغل ستواجه خطر التعرض التقني المباشر بحلول عام 2030؛ في حين ستتأثر المهام المعرفية والتحليلية لـ4,6 ملايين منصب آخر بدرجات متفاوتة، وهو ما يعادل 14 في المائة من إجمالي التشغيل بالمملكة، مما يكشف عن فجوة استيعاب حادة ناتجة عن القدرة التعويضية المحدودة للاقتصاد الرقمي التي لن تتجاوز خلق 180 ألف وظيفة جديدة في الفترة نفسها، مخلفة ميزانا صافيا سلبيا يقدر بـ1.32 مليون منصب.
بؤر الخطر القطاعية
أوضحت الوثيقة وجود بؤر خطر مرتفع تتركز أساسا في قطاع الأوفشورينغ "BPO"، حيث تتسارع أتمتة مراكز النداء والخدمات عن بُعد، والخدمات المالية والمصرفية والتأمينات التي تعتمد على معالجة البيانات، وكذا الإدارة العمومية والخدمات المعاملاتية، وصولا إلى الصناعات المعيارية كصناعة السيارات والنسيج.
وفي هذا الصدد، سجل التقرير ظهور ما سماه مفارقة التأهيل، إذ ترتفع نسبة الخطر لتشمل 30 في المائة من حاملي الشهادات العليا ضمن السيناريو الاضطرابي، بالنظر إلى قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على محاكاة المهارات الذهنية الراقية.
كما نبه التقرير بلهجة تحذيرية إلى فقدان فرص التراكم المهني والحراك الاجتماعي لفئة الشباب في وظائف البداية، إضافة إلى الهشاشة الرقمية التي تواجه النساء جراء تركزهن في المهن الإدارية والمساندة الأكثر عرضة للأتمتة بنسبة تعرض تصل إلى 65 في المائة.
أفق 2035 والموجة الثانية
ومع حلول عام 2035، يتوقع التقرير ذاته دخول الموجة الثانية المتمثلة في التقنيات المادية المتقدمة؛ مما سيؤدي إلى تراجع ميزة العمل منخفض الكلفة التي كانت تميز تنافسية المغرب في قطاعات الفلاحة والنسيج والبناء واللوجستيك، بفعل دخول تقنيات الروبوتيك التي ستعوض الجهد البدني البشري، وهو ما سيرفع عدد المناصب ذات الخطر المرتفع إلى 2.9 ملايين منصب، ليصل إجمالي المناصب المتأثرة بشكل كلي أو جزئي إلى نحو 8 ملايين منصب.
وفيما يخص هيكلة الاقتصاد الوطني، توقف التقرير عند دور القطاع غير المهيكل (67.6 في المائة)، معتبرا أنه يوفر حماية مؤقتة من التغيير التقني لكونه بعيدا عن الرقمنة المؤسساتية؛ لكنه في المقابل يحرم العاملين من مكاسب الإنتاجية الرقمية ويحبسهم في مهن منخفضة القيمة.
وعلى الرغم من إقرار الوثيقة بطموح استراتيجية المغرب الرقمي 2030 وبرنامج"Made in Morocco AI"، فإنها سجلت فجوة تنفيذية مقلقة تتمثل في حاجة المملكة لإعادة تأهيل ما بين 250 ألف و480 ألف عامل سنويا؛ في حين أن مخرجات التكوين المهني والجامعي لم تتجاوز تخرج 22 ألف كفاءة رقمية فقط في سنة 2024.
وخلص "CAESD" إلى أن المغرب يمتلك نافذة زمنية ضيقة تمتد حتى عام 2030 لبناء هندسة وطنية متجددة للمهارات، وإقرار منظومة حماية اجتماعية قابلة للنقل تحمي الأفراد لا الوظائف، مع ضمان الاستخدام الخوارزمي المسؤول في التوظيف لتدبير هذا التحول التقني الجسيم.