وفي هذا السياق، قال أستاذ العلاقات الدولية في الجامعات الليبية، الدكتور مسعود السلامي، في حديث خاص لوكالة الأنباء والإذاعة الدولية "سبوتنيك"، إن زيارة الدبيبة إلى روما ليست الأولى، بل تأتي ضمن سلسلة من الزيارات الدورية التي تعكس طبيعة العلاقات والشراكة بين البلدين، بحكم القرب الجغرافي والتعاون الاقتصادي والأمني والسياسي القائم بين ليبيا وإيطاليا.
وأوضح السلامي أن الزيارة تبدو طبيعية من حيث التوقيت، لكنها تحمل في الوقت نفسه أهمية خاصة، نتيجة تصاعد التحديات الأمنية وتزايد وتيرة الهجرة غير النظامية عبر البحر الأبيض المتوسط، وهي ملفات تؤثر بشكل مباشر على ليبيا وإيطاليا، ما يفرض استمرار التنسيق بين الجانبين.
وأشار إلى أن الزيارة قد تتضمن بحث تفعيل عدد من الاتفاقيات المتعلقة بالشراكة في قطاع الطاقة، خصوصًا في ظل التوجه الإيطالي نحو الاعتماد بصورة أكبر على الغاز والنفط الليبيين، في ضوء التوترات الدولية والحرب الأمريكية الإيرانية وما فرضته من تحولات في أسواق الطاقة العالمية.
وأضاف أن الزيارة تأتي أيضًا في وقت تمارس فيه الولايات المتحدة ضغوطًا سياسية على الأطراف الليبية للقبول بمبادرات وتسويات سياسية مطروحة، معتبرًا أن الدبيبة قد يسعى إلى تنسيق المواقف مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، بالنظر إلى علاقتها الوثيقة بالإدارة الأمريكية والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
كما لفت السلامي إلى مشاركة إيطاليا في مناورات "فلينت لوك 26"، التي ضمت عناصر عسكرية من شرق ليبيا وغربها، معتبرًا أن هذا الأمر يحتاج إلى مزيد من التنسيق والنقاش بين الطرفين لرسم ملامح التعاون المستقبلي.
وأكد أن إيطاليا تدرك حجم التنافس الدولي المتزايد داخل ليبيا، سواء من جانب تركيا أو مصر أو الولايات المتحدة، أو فرنسا وإسبانيا، خاصة في قطاع الطاقة، ولذلك تسعى إلى الحفاظ على موقعها المتقدم داخل السوق الليبية، مشيرًا إلى أن الاكتشافات التي حققتها شركة "إيني" تعكس عمق العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
ورأى السلامي أن غياب استراتيجية ليبية واضحة في إدارة العلاقة مع إيطاليا قد يؤدي إلى اختلال ميزان المصالح لصالح الجانب الإيطالي، مستشهدًا بملف الهجرة غير النظامية، حيث تتحمل ليبيا العبء الأكبر من حيث استقبال المهاجرين وإيوائهم والتعامل مع الضغوط الحقوقية المرتبطة بهم، في حين تستفيد أوروبا وإيطاليا من الحد من تدفقات الهجرة نحو أراضيها.
وأضاف أن ليبيا تتحمل كذلك أعباء إعادة المهاجرين والتعامل مع تداعيات بقائهم داخل البلاد، في ظل غياب رؤية وطنية واضحة للتعامل مع هذا الملف، معتبرًا أن الطرف الأكثر استفادة من التعاون القائم، سواء في مكافحة الهجرة أو التهريب أو حتى في قطاع الطاقة، هو الجانب الإيطالي أكثر من ليبيا.
وأشار إلى أن التركيز على الدعم السياسي الإيطالي لحكومة الوحدة الوطنية، دون الالتفات بصورة كافية إلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الليبية، يجعل الجانب الإيطالي أكثر قدرة على استثمار مثل هذه الزيارات وتحقيق مكاسب مباشرة منها.
من جانبه، قال المستشار والخبير الاقتصادي، الدكتور خالد الكاديكي، في حديث خاص لوكالة "سبوتنيك"، إن زيارة الدبيبة إلى إيطاليا تحمل أبعادًا اقتصادية واستراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي، خاصة في ظل المرحلة الحساسة التي يمر بها الاقتصاد الليبي، والتحديات المرتبطة بالطاقة والسيولة والاستثمار وإعادة الإعمار.
وأوضح الكاديكي أن إيطاليا تُعد الشريك الاقتصادي الأبرز لليبيا في ملفي النفط والغاز، وبالتالي فإن أي تحرك سياسي أو اقتصادي بين الجانبين ينعكس بصورة مباشرة على ملفات الطاقة والتبادل التجاري والاستثمار، خصوصًا مع سعي أوروبا إلى تعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد.
وأضاف أن الزيارة قد تفتح المجال أمام تفاهمات جديدة تتعلق بتطوير البنية التحتية، ودعم مشاريع الكهرباء والطاقة، وعودة الشركات الإيطالية للعمل داخل ليبيا، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات الموانئ والصحة والتدريب والتقنية.
وأشار إلى أن نجاح هذه التحركات يبقى مرهونًا بوجود رؤية اقتصادية موحدة داخل ليبيا، وضمان الاستقرار المالي والمؤسسي، لأن أي اتفاقات خارجية تحتاج إلى بيئة داخلية مستقرة وقادرة على تنفيذ الالتزامات وتحقيق الاستفادة الحقيقية للمواطن الليبي.
وأكد الكاديكي أن المرحلة الحالية تتطلب توظيف العلاقات الدولية لخدمة الاقتصاد الوطني، وليس فقط لتحقيق مكاسب سياسية مؤقتة، خاصة وأن ليبيا تمتلك فرصًا كبيرة لجذب الاستثمارات إذا ما توفرت الشفافية والاستقرار وتوحيد القرار الاقتصادي.
وتعاني ليبيا من أزمة سياسية معقدة، في ظل وجود حكومتين متنافستين، الأولى في الشرق بقيادة أسامة حماد، المكلف من قبل مجلس النواب، والثانية في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة، الذي يرفض تسليم السلطة إلا من خلال انتخابات.
وكان من المقرر إجراء انتخابات رئاسية في ليبيا، في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021، إلا أن الخلافات السياسية بين الأطراف المتنازعة، إضافة إلى النزاع حول قانون الانتخابات، حالت دون إتمامها.