تونس.. امرأة تهب حياتها للعمل الخيري في رمضان بعد محنة مرض ابنها.. صور وفيديو
18:35 GMT 27.02.2026 (تم التحديث: 21:05 GMT 27.02.2026)

© Sputnik . Mariam.Gadera
تابعنا عبر
حصري
بين أروقة المستشفيات التونسية، حيث تختلط رائحة الأدوية بأنين المرضى، ويمتد الصمت الثقيل على وجوه أنهكها الألم، ولدت مبادرة إنسانية تشق طريقها بهدوء، حاملة معها بذور الأمل لمن لا سند لهم في شهر الصيام، مبادرة تقودها التونسية الخمسينية، حنان السافي، وهي امرأة صاغتها المحنة، وعلمتها الأيام أن العطاء قد يولد من رحم الألم.
وقضت حنان فترة طويلة داخل جناح أحد المستشفيات، تلازم سرير ابنها المريض، تتقاسم معه الوجع والدعاء، وتقاوم الخوف بالصبر. ومن تلك التجربة القاسية، لم تخرج منكسرة، بل خرجت أكثر إيمانا بأن للمعاناة رسالة، وللصبر ثمرة.
وتبلغ حنان السافي من العمر 52 سنة لم يُتح لها أن تُكمل تعليمها الجامعي بسبب الظروف المادية الصعبة التي عاشتها أسرتها آنذاك، وتزوجت في سن مبكرة، وهي أم لثلاثة أبناء، جعلتهم محور حياتها، ومعنى كفاحها اليومي.
وقبل 15 عاما، أُصيب ابنها الأكبر بمرض خطير كاد أن يُفقده إحدى ساقيه، واضطره للإقامة لفترة طويلة في أحد المستشفيات التونسية لإجراء فحوصات دقيقة تحت إشراف طبي متواصل، ولم تكن تلك المرحلة سهلة على الأم، لقد كانت أياما مثقلة بالقلق، وليالي طويلة من الدعاء والانتظار، غير أن حنان، وسط تلك العاصفة، تعلّمت درسا عميقا في الصبر والرضا.
وهناك، بين الجدران البيضاء، قطعت حنان وعدا على نفسها: إن كُتب الشفاء لابنها، فستجعل من حياتها جسرا يعبر عليه المحتاجون، وستطرق أبواب من لا سند لهم، مادّة يد العون لكل ضعيف، ومشاركة آلام الآخرين كما شاركت ألم فلذة كبدها.
ومع حلول شهر رمضان، وجدت حنان في الصيام فرصة لتجديد العهد، فجعلت من هذا الشهر المبارك موسما للعطاء، تُكرّس أيامه لخدمة المرضى والمحتاجين، مؤمنة بأن الخير، مهما كان بسيطا، قادر على أن يُعيد للقلوب المنهكة بعض الطمأنينة، وللحياة معناها الإنساني الأجمل.

المتطوعة التونسية، حنان السافي، تشارك بالعمل الخيري خلال شهر رمضان
© Sputnik . Mariam.Gadera
"مائدة الرحمن".. حين يتحوّل الشفاء إلى رسالة حياة
بعد سلسلة طويلة من الفحوصات الطبية والعلاج المضني، تماثل ابن حنان للشفاء، وكأن القدر كان يفتح لها بابا جديدا للحياة لم تتردد، فكان قرارها حاسما: الوفاء بالوعد وسارعت إلى الانخراط في عمل خيري منظّم، فالتحقت بجمعية تضمّ عددا من المتطوّعين تُدعى "Universelle"، تتولّى تنظيم مبادرات إنسانية متنوّعة، من أبرزها مائدة الرحمن، التي تستقبل قرابة ألف صائم يوميا طيلة شهر رمضان.
وفي حديثها لـ"سبوتنيك"، أفادت المتطوّعة، حنان السافي أن هذه المبادرة لا تقتصر على تقديم وجبات الإفطار فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى بعدٍ إنساني أعمق، موضحة: " نحن لا نقدم الطعام فقط، بل نتحمّل أيضا خلاص فواتير المرضى العاجزين عن سداد ديونهم، من خلال بث مباشر عبر إذاعة خاصة بالمبادرة".
وتضيف أنها، برفقة الفريق المتطوّع، تتولى التعريف بالمبادرة وجمع طلبات المساعدة، ثم العمل على تلبيتها وفق الإمكانيات المتاحة، في مشهد تتكامل فيه الجهود وتتوحّد النوايا.
🟧 تونس.. امرأة تهب حياتها للعمل الخيري في رمضان بعد محنة مرض ابنها
— Sputnik Arabic (@sputnik_ar) February 27, 2026
🔸في مستشفيات تونس، تحولت معاناة، حنان السافي، البالغة 52 عاما، مع مرض ابنها إلى دافع لإطلاق مبادرات إنسانية لدعم المرضى والمحتاجين.
🔸بعد تعافي ابنها، انخرطت في جمعية "Universelle" لتنظيم مائدة رحمن تستقبل نحو… pic.twitter.com/zLHwCZ6xeD
ومع مرور الوقت، انضمّ إلى الجمعية عدد من الأطبّاء وأصحاب الاختصاص، ما ساهم في توسيع دائرة المنتفعين من خدماتها، لتتحول المبادرة من فعل موسمي مرتبط برمضان إلى مشروع إنساني متكامل، يقصده المحتاجون على مدار السنة، بحثا عن يد رحيمة وملاذ آمن.
وتوضح السافي أن مائدة الرحمن تحتضن أطيافا متنوعة من المجتمع: أمهات عازبات، وأطفالا أيتاما، ورجالا أنهكتهم قسوة الحياة حتى أقعدتهم عن العمل.
وتؤكد قائلة: "نحن لا نغلق الباب في وجه أي محتاج يقصدنا بنيّة صادقة، فالمساعدة حقّ، والكرامة خط أحمر".
وأشارت حنان بابتسامة يغلب عليها التواضع، إلى أن أغلب من يقصدون الجمعية، من مواطنين ومسنّين، ينادونها بـ"الأم حنان" لقب لم تطلبه، لكنها استحقّته، لأنهم وجدوا فيها صورة الأم الحنونة، التي تخشى على أبنائها، وتحتضنهم دون تمييز.

المتطوعة التونسية، حنان السافي، تشارك بالعمل الخيري خلال شهر رمضان
© Sputnik . Mariam.Gadera
فتح مشاريع لأمهات الأيتام
تواصل المتطوّعة، حنان السافي، حديثها لـ"سبوتنيك"، مؤكدة أن العمل الخيري، في جوهره، ليس مجرد استجابة آنية للحاجة، بل هو استثمار في الإنسان والمستقبل.
وتقول: "نسعى إلى مرافقة الأيتام وحمايتهم، حتى لا تنزلق أقدامهم نحو طرق غير سليمة، كالانحراف أو الوقوع في براثن الجريمة والمخدرات".
وفي هذا السياق، أوضحت السافي أن الجمعية تواصلت مع عدد من أمهات الأيتام، وتمكنت، بفضل تضافر جهود المتبرعين والمتطوعين، من فتح مشاريع صغرى لهن، تضمن لهن مورد رزق كريم، وتعيد إليهن الثقة في الذات، كما ساهمت الجمعية في إعانة بعض العائلات على بناء منازل بسيطة تؤويهم، بعد سنوات من الهشاشة والتشرد، وتلفت حنان إلى أن تنامي الظواهر السلبية التي تستقطب فئات واسعة من الشباب، يجعل من العمل الوقائي ضرورة لا تقلّ أهمية عن المساعدة المادية.
تقول: "نحاول أن نكون السند الحقيقي لهؤلاء الأيتام، نرافقهم، نُصغي إليهم، ونوجّههم، حتى يصبحوا أشخاصا مسؤولين وقادرين على بناء حياتهم بكرامة".
ومع حلول شهر رمضان، تُكثّف حنان السافي، رفقة فريق الجمعية، أنشطتها الميدانية، فلا يقتصر عملهم على موائد الإفطار، بل يمتد إلى تقديم الطعام لمن لا مأوى لهم في الشوارع، وتوزيع الوجبات داخل المستشفيات التونسية على المرضى المقيمين، خاصّة القادمين من مناطق بعيدة عن العاصمة، أولئك الذين يواجهون المرض والغربة في آن واحد.
وتعود حنان بذاكرتها إلى البدايات، قائلة: "منذ نعومة أظافري، انخرطت في العمل الكشفي، وكان شعارنا: القوي يحمي الضعيف منذ ذلك الوقت، أدركت أنّ في هذه الحياة من يحتاج إلى يد تمتد إليه في صمت".
وتختم حديثها بنبرة امتنان ورضا: "الحمد لله، اليوم أشعر أنني حققت جزءا مما تمنيته في مسيرتي التطوعية، ما زال الطريق طويلا، لكن العطاء، حين يكون صادقا، لا يعرف التعب".

المتطوعة التونسية، حنان السافي، تشارك بالعمل الخيري خلال شهر رمضان
© Sputnik . Mariam.Gadera
خدمة المرضى في زمن "كورونا".. حين كان العطاء خط الدفاع الأول
في زمن كانت فيه المخاوف تُخيّم على الشوارع، وكان الموت يلوّح بظلاله الثقيلة على حياة التونسيين، خرجت المتطوّعة حنان السافي من عزلتها، مرتدية الكمامة، حاملة رسالة الوعي قبل أي شيء، لم تنتظر نداءا رسميا، بل اختارت أن تكون في الصفوف الأولى، تُجوب الشوارع، وتناشد المواطنين بضرورة ارتداء الكمّامات وتجنّب الاكتظاظ، إيمانًا منها بأنّ الوقاية مسؤولية جماعية.
وفي حديثها لـ"سبوتنيك"، تستحضر السافي تلك المرحلة العصيبة قائلة: "في الفترة الصعبة التي عاشتها البلاد مع تفشّي فيروس "كورونا" المستجد، ومع الارتفاع المتواصل في عدد الإصابات، تطوّعتُ برفقة عدد من الأطبّاء المنخرطين في الجمعية لخياطة كمّامات لفائدة المرضى".
ولم يقتصر دور حنان على ذلك، بل تنقّلت إلى منازل عدد من المصابين، متكفّلة بهم إنسانيا قبل أيّ اعتبار آخر، من خلال إعداد الطعام، وتوفير الأدوية، في وقتٍ كان فيه الكثير منها مفقودا أو عسير المنال. كانت البيوت المغلقة آنذاك تفتح أبوابها لحنان، لا بوصفها متطوّعة فقط، بل كملاذ آمن في زمن الخوف.
وواصلت السافي عملها التطوّعي طيلة فترة انتشار الوباء، فشاركت في قوافل صحية متنقلة جابت عددا من المحافظات التونسية، كان هدفها إسعاف المصابين، ومرافقتهم نفسيا، إلى جانب توعيتهم بخطورة الفيروس وسبل الوقاية منه، في وقت كانت فيه المعلومة سلاحا لا يقلّ أهمية عن الدواء.
ونظير هذه المجهودات، حظيت، حنان السافي، والفريق المرافق لها بعديد التكريمات من قبل وزارة الصحة، تقديرا لما قدّموه من خدمات لفائدة المرضى.
وتقول في هذا الصدد: "كنا، أنا والفريق الطبي، من أوائل من نزلوا إلى الشوارع خلال فترة انتشار الفيروس، لتوزيع الكمّامات وتوعية المواطنين بضرورة ارتدائها، وقد شملت حملتنا الأمنيين والعسكريين والبحّارة، إضافة إلى عموم المواطنين".
وبرغم ما رافق تلك الفترة من إرهاق نفسي وجسدي، تؤكد حنان أن العطاء كان دائما أقوى من التعب، تقول بابتسامة هادئة: "ما دمت أمتلك طاقة لمساعدة المحتاجين، فلن أتوقف عن العمل الخيري فتعب يوم كامل تمحوه ابتسامة يتيم، أو نظرة شكر من محتاج يجلس على مائدة الرحمن في رمضان، وعيناه مثقلتان بعجزه عن توفير قوت يومه".

