صداقة من نوع خاص... ذئب جريح يتحول إلى فرد من عائلة فلاح شمالي تونس

© Sputnik . Mariam.Gadera
تابعنا عبر
حصري
في أقصى الشمال الغربي من تونس، حيث تتعانق الجبال مع الحقول، ينسج شاب من محافظة الكاف حكاية مختلفة، تتقاطع فيها الغريزة مع الألفة، والخطر مع الشغف.
أيمن محمدي، فلاح بسيط من معتمدية تاجروين، اختار أن يقترب من عالم قلّ من يجرؤ على الاقتراب منه، عالم الحيوانات البرية، ليحوّل لقاء عابرا مع ذئب جريح إلى تجربة إنسانية وبيئية تثير الدهشة والأسئلة في آن واحد.
لم يكن الذئب، وهو من نوع الذئب الذهبي الأفريقي، مجرد حيوان عابر في حياة أيمن، بل أصبح رفيقا يوميًا في رحلاته إلى الطبيعة، يرافقه في الصيد، ويظهر معه في مقاطع فيديو ينشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويتابع الآلاف ما يفعله محمدي، بشيء من الإعجاب والريبة في آن معا. وبين من يرى في هذه العلاقة جرأة استثنائية، ومن يحذر من مخاطرها، يواصل أيمن سرد حكايته بطريقته الخاصة، متمسكا بشغفه القديم الذي بدأ منذ الطفولة.

صداقة من نوع خاص... ذئب جريح يتحول إلى فرد من عائلة فلاح شمالي تونس
© Sputnik . Mariam.Gadera
من شغف الطفولة إلى اكتشاف عالم البرية
يستعيد محمدي البدايات الأولى لعلاقته بالحيوانات، مستحضرا ذاكرة طفولة امتزجت فيها البراءة بالفضول، ويقول في حديثه لـ"سبوتنيك": "أنا مغرم بالصيد البري منذ الصغر، ومع مرور الأيام بدأت أتعلق بالحيوانات البرية وأنا بطبعي كنت أربي الحيوانات الأليفة مثل الكلاب".
ذلك الشغف لم يبق حبيس الهواية العابرة، بل نما تدريجيا ليصبح أسلوب حياة. فمع مرور الوقت، لم يعد أيمن يخرج إلى البرية بدافع الصيد فقط، بل بدافع الاكتشاف أيضا.

صداقة من نوع خاص... ذئب جريح يتحول إلى فرد من عائلة فلاح شمالي تونس
© Sputnik . Mariam.Gadera
ويضيف: "شغفي هذا بالحيوانات البرية كبر معي وأصبحت أخرج للبحث عنها خصيصا حتى في الأيام التي لا أصطاد فيها، فكنت أصورها وأراقب تصرفاتها وحركاتها وأسلوبها، وأصبحت تدريجيا أفهم لغتها، ونمت بداخلي الرغبة في تربيتها والاعتنناء بها ومراقبة أكلها وشرابها وتصرفاتها في الأسر وفي البرية".
لكن هذا الفضول لم يكن خاليا من الوعي بطبيعة هذه الكائنات، إذ يؤكد محمدي أن "الحيوانات البرية خلقها الله لتعيش في البرية وهي بطبيعتها تتحاشى البشر ولا تحب الاختلاط معهم"، وهو إدراك ظل حاضرا في كل مراحل تجربته، حتى وهو يقترب من أخطرها.

صداقة من نوع خاص... ذئب جريح يتحول إلى فرد من عائلة فلاح شمالي تونس
© Sputnik . Mariam.Gadera
من صدفة إلى علاقة استثنائية مع الذئب
لم يكن محمدي يخطط لترويض ذئب أو تربيته، بل جاءت القصة من لحظة إنسانية عابرة، تحولت لاحقا إلى تجربة غير متوقعة، إذ يروي: "لم أفكر في تربيته، المسألة كانت من قبيل الصدفة، وجدته جريحا ومكسورا من ساقه لا يستطيع الحركة، كان عمره آنذاك أربعة أشهر".
ويضيف: "لم أستطع أن أتجاهله وأتركه في تلك الحالة، فحملته معي إلى المنزل على أمل مداواة جراحه وإعادته لاحقا إلى البرية"، ويتابع: "بقي أياما لا يأكل الأكل الذي أقدمه له وكان يهم بمهاجمتي حين أدخل غرفته ويحاول الدفاع عن نفسه"، غير أن هذا التوتر بدأ يتراجع تدريجيا مع مرور الوقت، حين بدأ الذئب يشعر بالأمان.
وأردف: "حين أدرك أنني لن أؤذيه، بدأ سلوكه يتغير تدريجيا، وتوطدت العلاقة بيننا، فصار يأكل من يدي ويقبل اقترابي ولمسي له"، مشيرًا إلى أنه تعلّم بالمقابل احترام حدود الحيوان وخصوصيته، فهناك مناطق من جسده لا يرغب أن ألمسه منها، وقد فهمت ذلك مع الوقت".

صداقة من نوع خاص... ذئب جريح يتحول إلى فرد من عائلة فلاح شمالي تونس
© Sputnik . Mariam.Gadera
ويتابع: "مع تعافي ساقه، بدا الذئب وكأنه يستعيد حياته، بل ويشارك صاحبه لحظة الشفاء بطريقته الخاصة، فقد فرح بساقه التي عادت كما كانت ويستدير قصدا ليريني أن جرحه اندمل".
ومع توالي الأيام، لم تعد العلاقة تقتصر على الرعاية، بل تحولت إلى ارتباط يومي يتجاوز حدود المألوف. ويقول محمدي: "كلما عدت إلى المنزل وسمع صوتي، يقف عند النافذة ويصدر صوتا كأنه يناديني، فأسرع إليه"، مضيفا: "لقد نشأت بيننا علاقة خاصة".
غير أن المفاجأة الأبرز تجلت عندما حاول إعادته إلى بيئته الطبيعية، إذ لم تجر الأمور كما كان يتصور. ويضيف: "تركته ليعود إلى البرية، لكنه رفض وظل يتبعني ويدور حولي، وعندما أعود إلى المنزل يتجه مباشرة إلى غرفته"، مؤكدًا أن "الذئب اختار البقاء إلى جانبه، رغم أنه كان يترك له الباب مفتوحا في أكثر من مناسبة".

صداقة من نوع خاص... ذئب جريح يتحول إلى فرد من عائلة فلاح شمالي تونس
© Sputnik . Mariam.Gadera
شغف يحاذي الخطر
رغم البعد الإنساني الذي يطبع هذه التجربة، لا ينفصل وعي محمدي عن إدراكه الدقيق لحجم المخاطر التي تحيط بها، خاصة أن الأمر يتعلق بحيوان مفترس، إذ يقول: "هناك خطورة حقيقية في التعامل مع الحيوانات المفترسة والزواحف السامة، فهي تتطلب معاملة خاصة ومعرفة دقيقة، لأن أي خطأ قد يعرّض حياة الإنسان وعائلته وحتى محيطه للخطر".
هذا الإدراك لا يفارقه في تفاصيل تعامله اليومية مع الذئب، إذ يقول: "غريزة الذئب تظل حاضرة قبل كل شيء، لذلك يجب التحلي بالحذر في كل لحظة. صحيح أنه يلعب معي، لكن بمجرد أن يشعر بخوفي قد ينقلب ميزان السيطرة لصالحه، ولهذا يبقى الانتباه ضروريا".
ورغم التحذيرات المتكررة التي تلقاها من محيطه، والتي دعت إلى إعادة الذئب إلى البرية واعتباره حيوانا "خطرا وغدارا"، فإن تجربته الميدانية دفعته إلى مقاربة أكثر توازنا. ويضيف: "حين عايشته عن قرب، لم ألاحظ تلك الصورة التي يروج لها كثيرون"، مؤكدا في الآن ذاته أن احترام طبيعة الحيوان يظل شرطا أساسيا لتجنب أي انزلاق.
وبموازاة هذه العلاقة، يواصل محمدي ممارسة الصيد، وقد أصبح الذئب يرافقه في رحلاته بعد فترة من التدريب المتدرج، ويقول: "في البداية لم أعتمد عليه في الصيد، لكنني دربته لاحقا على جلب الطرائد مثل الأرانب والطيور، ونجح في ذلك"، مشيرا إلى أن "هذه المرحلة استغرقت نحو خمسة أشهر من العمل المتواصل".
غير أن ما يمنح هذه التجربة بعدا أوسع، لا يقتصر على المغامرة أو الترويض، بل يتجلى في سعي صاحبها إلى توثيق هذا العالم ونقله إلى الجمهور، فمن خلال مقاطع الفيديو التي ينشرها، يحاول محمدي إعادة صياغة صورة الحيوان البري في أذهان المتابعين، بعيدا عن الخوف الموروث والمبالغات الشائعة.
ويقول في هذا السياق: "أسعى إلى إيصال فكرة مفادها أن هذا الحيوان ليس بالخطورة التي تجعله هدفا للصيد الجائر"، لافتا إلى أن "الذئاب في تونس لم تسجل اعتداءات على البشر، وأن الخوف منها ترسخ بفعل روايات وخرافات لا تعكس الواقع".

صداقة من نوع خاص... ذئب جريح يتحول إلى فرد من عائلة فلاح شمالي تونس
© Sputnik . Mariam.Gadera
ويحذر محمدي من تداعيات هذه الصور النمطية، التي تقود في كثير من الأحيان إلى القضاء على الذئاب، بما في ذلك صغارها، وهو ما يخل بالتوازن البيئي، ويشرح: "أحاول تغيير هذه الأفكار، لأن لكل عنصر في الطبيعة دوره، غياب الذئب، على سبيل المثال، يؤدي إلى تكاثر القوارض والحشرات التي يتغذى عليها، وهو ما ينعكس سلبا على الفلاحة والتوازن البيئي بشكل عام، فكل شيء مترابط".
وبهذا الإصرار، يواصل محمدي كتابة فصول حكايته مع الذئب، متأرجحا بين شغف شخصي ورؤية بيئية أعمق. تجربة قد تبدو محفوفة بالمخاطر، لكنها بالنسبة إليه نافذة لفهم الطبيعة من الداخل، ومحاولة لتفكيك الصور الجاهزة عنها.
