حلو لكن مكلف... مراجعة شاملة تظهر كيف يمكن أن تضر الأنظمة الغذائية الغنية بالسكر بالذاكرة

© flickr.com / Gunilla G
تابعنا عبر
يُوجد السكر في كل مكان: في المشروبات الغازية، والحلويات، والصلصات، وحبوب الإفطار، وحتى في العديد من الوجبات الخفيفة "الصحية". لسنوات، حذّر الأطباء من أن الإفراط في تناول السكر يزيد من خطر الإصابة بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب.
والآن، تُشير مراجعة جديدة وشاملة للأدلة العلمية إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالسكر قد تُلحق الضرر بالذاكرة والوظائف الإدراكية بشكلٍ مباشر، وخاصةً في منتصف العمر وكبار السن.
يجمع هذا التحليل الشامل والمُحدّث، والذي تم استعراضه في مجلة "ساينس أليرت"، عشرات الدراسات التي أُجريت على البشر والحيوانات، ويرسم صورةً واضحةً لكيفية تأثير الإفراط في تناول السكر على دوائر الذاكرة في الدماغ، وإبطاء التفكير، بل وحتى زيادة خطر الإصابة بالخرف على المدى الطويل.
جمع الباحثون جميع الدراسات عالية الجودة المتاحة حول تأثير السكر على الذاكرة والتفكير، وقاموا بتحليل إحصائي لنتائج العديد من الدراسات لرصد الاتجاه العام، وراعوا بدقة عوامل أخرى كالعمر، ووزن الجسم، والنشاط البدني، وجودة النظام الغذائي بشكل عام.
النتائج الرئيسية مثيرة للقلق ولكنها متسقة:
يرتبط ارتفاع استهلاك السكر بتراجع الذاكرة والانتباه في مجالات معرفية متعددة.
يكون التأثير أقوى مع السكريات المضافة (السكر الموجود في الأطعمة والمشروبات، وليس السكر الطبيعي في الفاكهة أو الحليب).
ترتبط الأنظمة الغذائية الغنية بالسكر، وخاصة تلك الغنية بالدهون غير الصحية، بانخفاض الأداء في مهام الذاكرة التي تعتمد على الحُصين، مثل تعلم مسارات جديدة أو تذكر قوائم أو أحداث.
في الدراسات الرصدية لكبار السن، يزيد الاستهلاك المفرط للسكر بشكل معتاد من خطر الإصابة بالضعف الإدراكي والخرف، حتى بعد ضبط عوامل الخطر الأخرى كداء السكري وأمراض الأوعية الدموية.
باختصار: كلما زاد استهلاك السكر بانتظام، كلما تضررت الذاكرة، وازداد خطر تدهور الدماغ على المدى الطويل.
لماذا يُعدّ الدماغ شديد الحساسية للسكر؟
لفهم سبب تأثير السكر السلبي على الذاكرة، من المفيد النظر إلى كيفية استخدام الدماغ للجلوكوز في الظروف الطبيعية (يستطيع الجسم إنتاج الجلوكوز بنفسه من البروتينات والدهون "عبر عملية تُسمى استحداث الجلوكوز". لذا، لستَ بحاجة لتناول السكر أو الكربوهيدرات على الإطلاق ليحصل دماغك على الجلوكوز) .
يُعدّ الدماغ عضوًا يستهلك كميات كبيرة من الجلوكوز، إذ يستهلك حوالي خُمس إجمالي طاقة الجسم، ويُعدّ الجلوكوز، بكميات صحية، ضروريًا لتنشيط الخلايا العصبية، وتكوين روابط عصبية جديدة، وتخزين الذكريات. ويُعدّ الحصين، وهو منطقة دماغية رئيسية تقع في عمق الفص الصدغي، وهو بالغ الأهمية لتكوين ذكريات جديدة والتوجيه المكاني.
المشكلة الحقيقية تكمن في الإفراط المزمن في تناول السكر:
يؤدي تناول كميات كبيرة من السكر المكرر والأطعمة السكرية إلى ارتفاعات متكررة في مستويات الجلوكوز والأنسولين في الدم.
مع مرور الوقت، قد تُصبح الخلايا (بما فيها خلايا الدماغ) مقاومة للأنسولين، ما يُعيق امتصاص الجلوكوز واستخدامه
تُحفز الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات والدهون التهابًا خفيفًا وإجهادًا تأكسديًا في جميع أنحاء الجسم، بما في ذلك الدماغ.
قد يُؤدي الالتهاب إلى تلف الخلايا العصبية والأوعية الدموية الدقيقة التي تُغذي الحُصين، ما يُصعّب تكوين ذكريات جديدة.
الحلقة المفرغة للنظام الغذائي والتحكم في الاندفاع
أظهرت دراسة أُجريت عام ٢٠٢٣ أن الأشخاص الذين اعتادوا تناول الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات (HFHS) كان أداؤهم أسوأ في مهام الذاكرة الحساسة للحُصين، كما أظهروا اندفاعية أعلى.
يُؤدي هذا إلى حلقة مفرغة: ضعف الذاكرة وانخفاض التحكم في الاندفاع يُصعّبان مقاومة الأطعمة غير الصحية والسكريات، ما يُؤدي بدوره إلى تدهور الذاكرة والتفكير.
فالسكر ليس مجرد مشكلة تتعلق بالقلب والوزن، بل هو مشكلة صحية تؤثر على الدماغ، وتؤثر على الذاكرة والتفكير من بداية مرحلة البلوغ وحتى الشيخوخة.
دور السكريات المضافة
إنّ السبب الرئيسي هو السكريات المضافة، تُعرّف إرشادات الصحة العامة والتغذية السكريات المضافة حاليًا على النحو التالي:
سكر المائدة (السكروز)
شراب الذرة عالي الفركتوز
الشراب والمحليات المضافة إلى المشروبات والأطعمة المصنعة
تتميز هذه السكريات بتركيزها العالي وسرعة امتصاصها، وغالبًا ما تفتقر إلى الألياف ومضادات الأكسدة والعناصر الغذائية التي تُخفف من آثارها الموجودة في الأطعمة الكاملة.
تُظهر المراجعة ما يلي، يميل الأشخاص الذين يتناولون كميات كبيرة من الحلويات والمشروبات السكرية والوجبات الخفيفة المصنعة إلى ضعف الذاكرة وبطء سرعة المعالجة، أما أولئك الذين يتناولون المزيد من الأطعمة الكاملة والألياف والدهون الصحية، فيُظهرون أداءً معرفيًا أفضل وانخفاضًا في خطر الإصابة بالخرف، حتى عندما يكون إجمالي السعرات الحرارية التي يتناولونها متقاربًا.
وتشير دراسة جامعة سيدني حول "الملاحة المكانية"(قدرة الكائنات الحية على تحديد مواقعها، فهم محيطها، وتخطيط مساراتها للوصول إلى وجهات محددة) والأبحاث ذات الصلة إلى أن الآثار السلبية للأنظمة الغذائية الغنية بالسكر على الذاكرة قابلة للعكس جزئيًا على الأقل عند التحول إلى أنماط غذائية صحية. هذه أخبار سارة، إذ تعني أنه حتى لو كان الشخص يستهلك كميات كبيرة من السكر، فإن تغيير نظامه الغذائي لا يزال يدعم صحة الدماغ.
مرحلة البلوغ المبكر ليست "آمنة"
يفترض الكثيرون أن مشاكل الذاكرة لا تظهر إلا في الشيخوخة، لكن الدراسات التي أُجريت على الشباب والبالغين في منتصف العمر تُظهر أن الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات ترتبط بالفعل بضعف القدرة على تحديد المواقع المكانية وضعف الذاكرة اليومية.
من منظور الصحة العامة، يدعونا هذا إلى ما يلي:
فرض قيود أكثر صرامة على السكر في الأطعمة والمشروبات المُصنّعة.
قلل من تناول المشروبات السكرية.
استبدل المشروبات الغازية والعصائر المحلاة ومشروبات الطاقة بالماء أو الشاي غير المحلى أو القهوة.
انتبه للسكريات "الخفية"، حيث تحتوي العديد من الأطعمة المالحة (الصلصات الجاهزة، والتوابل، والخبز، وحبوب الإفطار) على كميات كبيرة من السكر المضاف.
اقرأ الملصقات الغذائية واختر المنتجات التي تحتوي على نسبة سكر أقل في الحصة الواحدة.
اختر الأطعمة الكاملة غير المصنعة.
ركز على الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والبذور والدهون الصحية (مثل زيت الزيتون والأسماك والأفوكادو).
ادمج النظام الغذائي مع عادات أخرى تُعزز صحة الدماغ.
يُساهم النشاط البدني المنتظم، والنوم الجيد، والتحفيز الذهني في حماية الذاكرة والوظائف الإدراكية.
يُعزز النظام الغذائي الصحي فوائد هذه العادات، ويُقلل من خطر الإصابة بأمراض الأوعية الدموية والخرف.
يُشكل الإفراط في تناول السكر تهديدًا خفيًا للذاكرة، فهو يُخلّ بتوازن الطاقة في الدماغ، ويُحفز الالتهابات، ويُضعف الذاكرة. من ناحية أخرى، هذا يعني أيضًا أن النظام الغذائي أداة فعّالة للوقاية. باختيار أنماط غذائية قليلة السكر، تعتمد على الأطعمة الكاملة، يُمكن للأفراد حماية ذاكرتهم من بداية مرحلة البلوغ وحتى الشيخوخة، مما يُجنبهم التدهور المعرفي مستقبلا.
في سعينا للحفاظ على حدة أذهاننا، قد لا تكون ملعقة السكر هي الحل الأمثل، لكنها من أهم العوامل التي يُمكننا التحكم بها.


