الدستور الليبي… لماذا بقيت الوثيقة الأهم رهينة التجاذبات السياسية؟

© Sputnik . MAHER ALSHAERY
تابعنا عبر
حصري
منذ أكثر من عقد، لا يزال ملف الدستور يمثل إحدى أبرز القضايا العالقة في المشهد الليبي، في ظل تعثر إقرار قاعدة دستورية دائمة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة وتؤسس لمؤسسات مستقرة ومنتخبة.
وبين مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور عام 2017، والدعوات المتكررة للعودة إلى دستور الاستقلال الصادر عام 1951 مع إدخال تعديلات عليه، تتواصل حالة الجدل السياسي والقانوني بشأن المسار الأنسب لبناء الدولة الليبية.
استحقاق مهم
من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، إن إنجاز الدستور كان يُعد أحد أهم الاستحقاقات التي انتظرها الشعب الليبي من الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، باعتبارها هيئة منتخبة من الشعب، إلا أن تعقيدات الأزمة الليبية وتشابك أبعادها المحلية والدولية حالت دون الوصول إلى هذه المرحلة حتى الآن.
وأضاف العبدلي في حديثه لـ"سبوتنيك" أن الأطراف المحلية تتبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن تعثر المسار الدستوري، مشيرًا إلى أن كل طرف يلقي باللوم على الآخر في عدم الوصول إلى دستور دائم للبلاد.
وأضاف أن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور أنهت أعمالها وأقرت مشروع الدستور، ثم أحالته إلى الجهات المختصة، وفي مقدمتها مجلس النواب، من أجل استكمال الإجراءات القانونية اللازمة وطرحه للاستفتاء الشعبي.
وأشار إلى أن مجلس النواب، يؤكد بدوره أنه أحال المشروع إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لاتخاذ إجراءات الاستفتاء، في حين ترى المفوضية أن المشروع أُعيد إلى مجلس النواب بسبب الحاجة إلى تعديل قانون الاستفتاء على مشروع الدستور.
وأكد أن هذه الحلقة من تبادل المسؤوليات تعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية، مضيفًا أن جميع الأطراف تحاول التنصل من مسؤوليتها، ولا توجد حتى الآن جدية فعلية لدى القوى السياسية المحلية، للوصول إلى دستور دائم ينهي المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات.
وتابع العبدلي أن النقاش انتقل من مشروع الدستور الذي أقرته الهيئة التأسيسية عام 2017 إلى الجدل حول قانون الاستفتاء على الدستور رقم (6) لسنة 2018، والذي أقره مجلس النواب، معتبرًا أن هذا القانون يتضمن نصوصًا تثير الكثير من علامات الاستفهام.
وأوضح أن الأصل في أي استفتاء دستوري أن يكون التصويت على المشروع بصيغة "نعم" أو "لا" على مستوى الدولة بأكملها، إلا أن المادة الخامسة من القانون قسمت ليبيا إلى ثلاثة أقاليم انتخابية، واشترطت تحقيق نسبة موافقة لا تقل عن 50% + 1 في كل إقليم على حدة، بحيث يؤدي عدم تحقيق هذه النسبة في أي إقليم إلى سقوط مشروع الدستور بالكامل، حتى وإن حظي بتأييد الأغلبية على المستوى الوطني.
ورأى أن هذا الشرط يجعل الوصول إلى دستور دائم أكثر تعقيدًا، ويضع عراقيل إضافية أمام إقرار الوثيقة الدستورية، وهو ما أسهم في استمرار حالة الجمود السياسي.
وأشار العبدلي إلى أن الليبيين، بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام والمعاناة، قد يقبلون بإجراء الاستفتاء حتى وفق هذا القانون، رغم ما وصفه بأنه "مجحف"، أملًا في إنهاء المرحلة الانتقالية، إلا أنه شدد على أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في القانون وحده، وإنما في غياب الإرادة السياسية لتنفيذه.
وأضاف أن البعثة الأممية لم تمارس، من وجهة نظره، ضغطًا كافيًا على الأطراف الليبية من أجل الوصول إلى دستور دائم، بل استمرت في إدارة العملية السياسية بالاستناد إلى أطر دستورية مؤقتة، مثل اتفاق الصخيرات والاتفاقات اللاحقة، وهو ما ساهم في إطالة أمد المرحلة الانتقالية.
وأكد العبدلي أن استمرار الاعتماد على ترتيبات دستورية مؤقتة يخدم، بحسب تقديره، مصالح بعض القوى الدولية، لأنه يجعل المشهد السياسي الليبي أكثر قابلية للتأثير الخارجي، مضيفًا أن استمرار هذا الوضع يعزز الانطباع بأن هناك أطرافًا لا ترغب في الوصول إلى استقرار حقيقي في ليبيا عبر إقرار دستور دائم وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة.
دستور معلق
قال المحلل السياسي الليبي، عبدالله الديباني، إن مشروع الدستور الذي أقرته الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور في يوليو/تموز عام 2017 لا يزال يمر بحالة من الجمود والتعطيل السياسي والقانوني، موضحًا أنه لم يصبح وثيقة دستورية نافذة، وفي الوقت ذاته لم يُلغَ رسميًا، الأمر الذي أبقاه في منطقة رمادية عطلت مسار الانتقال الدستوري في البلاد.
وأوضح الديباني لـ"سبوتنيك" أن الهيئة التأسيسية، تعتبر أن مهمتها انتهت قانونيًا بعد إقرار المشروع بأغلبية ثلثي أعضائها، وتتمسك بضرورة عرضه مباشرة على الاستفتاء الشعبي دون إدخال أي تعديلات من قبل الأجسام السياسية.
إلا أن جلسة التصويت النهائية واجهت اعتراضات تتعلق بآلية النصاب والظروف الأمنية والسياسية التي أُجريت خلالها، ما أدى إلى صدور أحكام وتجاذبات قضائية أربكت مسار إصدار قانون الاستفتاء، وأعاقت الوصول إلى مرحلة الاقتراع العام.
وأضاف أن المسودة واجهت كذلك اعتراضات تتعلق بشكل نظام الحكم، إذ يرى معارضوها أنها تميل إلى تكريس نظام رئاسي يمنح رئيس الدولة صلاحيات واسعة، بما قد يخل بالتوازنات الإقليمية ويعيد إنتاج حكم الفرد في ظل الانقسام الجغرافي والسياسي الذي تعيشه ليبيا.
وأشار إلى أن مقاطعة بعض المكونات الثقافية واللغوية، وفي مقدمتها الأمازيغ والتبو، لجزء من أعمال الهيئة، أسهمت في تعميق الخلاف، إذ اعتبرت هذه المكونات أن المشروع لم يوفر الضمانات الكافية لحقوقها الثقافية واللغوية، ولا يحقق تمثيلًا سياسيًا عادلًا أو معالجة منصفة لمسألة توزيع الثروات.
ولفت الديباني إلى أن عددًا من الأطراف السياسية استخدمت ملف الدستور كورقة تفاوض، مستندة إلى المبررات الأمنية أو اللوجستية لتأجيل الاستفتاء، بما ساهم في استمرار المرحلة الانتقالية وآليات تقاسم السلطة القائمة.
وفيما يتعلق بالدعوات للعودة إلى دستور الاستقلال لعام 1951، أوضح أن هذه الوثيقة تمتلك شرعية تاريخية لكونها أسست للدولة الليبية الحديثة ووحدت الأقاليم الثلاثة، وقد تشكل مرجعية أو قاعدة انتقالية للاستفادة منها.
لكنه شدد على أن إعادة العمل بها بقرار سياسي ومن دون استفتاء شعبي قد تفتقر إلى الشرعية المجتمعية، ما يجعلها عرضة للطعن والرفض، وبالتالي لا يمكن اعتبارها بديلًا نهائيًا عن دستور دائم يحظى بتوافق وطني.
وأكد أن أبرز نقاط الخلاف الدستورية لا تزال تتمثل في شروط ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للمناصب السيادية، إضافة إلى التباين بشأن شكل نظام الحكم بين الرئاسي والبرلماني، وآليات توزيع عائدات النفط والموارد بين الأقاليم.
وأكد الديباني أن تجاوز الأزمة الدستورية يتطلب الاتفاق على قاعدة دستورية مؤقتة ومحددة المدة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تجدد الشرعية، مع الفصل بين المسار الانتخابي ومسار إعداد الدستور الدائم، وترك مراجعة مسودة 2017 للسلطات المنتخبة، إلى جانب إبرام ميثاق شرف سياسي يضمن قبول نتائج الانتخابات، وإقرار ضمانات قانونية واضحة لتعزيز اللامركزية وتحقيق توزيع عادل للموارد بين مختلف مناطق البلاد.
وتعاني ليبيا من أزمة سياسية معقّدة، في ظل وجود حكومتين متنافستين، الأولى في الشرق بقيادة أسامة حماد، المكلف من قبل مجلس النواب، والثانية في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة، الذي يرفض تسليم السلطة إلا من خلال انتخابات.
وكان من المقرر إجراء انتخابات رئاسية في ليبيا، في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021، إلا أن الخلافات السياسية بين الأطراف المتنازعة، إضافة إلى النزاع حول قانون الانتخابات، حالت دون إتمامها.




