علماء روس يطورون ذكاء اصطناعيا يكشف الاكتئاب بدقة تتجاوز 96%

© Photo / CC
تابعنا عبر
طور علماء روس شبكة عصبية قائمة على الرسوم البيانية، تجمع بين نشاط الدماغ المسجل بواسطة تخطيط كهربية الدماغ (EEG) والمعلومات الجينية، لتمييز الأشخاص المصابين بالاكتئاب عن الأصحاء، وقد حقق هذا النهج الجديد دقة تصنيف تتجاوز 96%، مقارنةً بنحو 86% لبنى الشبكات العصبية التي اختبرها الباحثون سابقاً، مع تقليل النتائج السلبية الخاطئة.
تم تطوير هذا النظام من قبل باحثين من جامعة تومسك الحكومية، ومعهد أبحاث علوم الأعصاب والطب، ومعهد علم الخلايا والوراثة التابع لفرع سيبيريا للأكاديمية الروسية للعلوم، وجامعة نوفوسيبيرسك الحكومية.
لماذا يصعب الكشف عن الاكتئاب بيولوجياً؟
لا يمكن تشخيص الاكتئاب بدقة من خلال إشارة بيولوجية واحدة، فالمعلومات الجينية تكشف عن الاستعداد الوراثي، لكن الإصابة بالاكتئاب تتأثر بشدة بظروف الحياة.
في حين يوفر تخطيط كهربية الدماغ (EEG) معلومات حول نشاط الدماغ الحالي، إلا أنه قد يتغير بسرعة تبعًا لعوامل مؤقتة كالجوع، والحالة البدنية، والألم، والتوتر. لذا، بحث الباحثون فيما إذا كان الجمع بين هذين المصدرين المختلفين للمعلومات يوفر صورة أكثر دقة من استخدام أي منهما على حدة.
يشكل عملهم جزءًا من مشروع أوسع نطاقًا أُطلق عام ٢٠١٣ للبحث عن مؤشرات بيولوجية مرتبطة بالاكتئاب، وبين عامي 2013 و2019، فحص العلماء أكثر من 3000 شخص في سيبيريا، وجمعوا تقييمات نفسية، وتسجيلات تخطيط كهربية الدماغ، وعينات من الدم أو خلايا الخد، ومعلومات جينية.
دمج موجات الدماغ مع البيانات الجينية
يسجل تخطيط كهربية الدماغ (EEG) أنماط النشاط الكهربائي للدماغ، ما يمنح الباحثين لمحة سريعة عن كيفية عمل الأنظمة العصبية وقت القياس، وتقدّم المعلومات الجينية منظورًا مختلفًا، فهي تبقى ثابتة نسبيًا طوال الحياة، ويمكنها الكشف عن اختلافات وراثية قد تؤثر على الاستعداد البيولوجي.
في الجزء الجيني من المشروع، تم تسلسل الحمض النووي المستخلص من عينات الدم وخلايا الخد في 164 موقعًا جينيًا، ما مكّن الباحثين من تحديد الاختلافات مقارنةً بجينوم مرجعي.
أوضح ألكسندر سافوستيانوف، أحد الباحثين المشاركين في المشروع، أن أيًا من المصدرين لا يُعطي نتائج دقيقة عند استخدامه منفردًا؛ فالنمط الجيني وحده يُعطي تنبؤات ضعيفة لأن الظروف البيئية تؤثر بشدة على الاكتئاب، بينما يُسجّل تخطيط الدماغ الكهربائي الحالة اللحظية للشخص، وقد يتأثر بظروف مؤقتة.
وتذكر حالةً بدا فيها نمط تخطيط الدماغ الكهربائي غير الطبيعي ذا دلالة في البداية، لكن الباحثين اكتشفوا لاحقًا أن المشارك خضع لعملية خلع ضرس قبل التسجيل مباشرةً، مما يُبيّن مدى سهولة تأثير الظروف الجسدية قصيرة الأجل على قياسات الدماغ.
كيف تعمل الشبكة العصبية
اقترحت الباحثة ندى فيروز، الحاصلة على درجة الماجستير من جامعة تومسك الحكومية، هذه الطريقة الجديدة، وهي تعتمد على شبكة عصبية بيانية، وهي نوع من الذكاء الاصطناعي مصمم لتحليل العلاقات المعقدة بين المعلومات المترابطة.
خلال التدريب، يتلقى النموذج أمثلة من مشاركين أصحاء وأشخاص مصابين بالاكتئاب، بالإضافة إلى بياناتهم الجينية وتخطيط الدماغ الكهربائي (EEG). يتعلم النموذج الأنماط التي تميز المجموعتين، ثم يتلقى بيانات جينية وبيانات تخطيط الدماغ الكهربائي لم يسبق له رؤيتها، ويحاول تحديد ما إذا كان المشارك ينتمي إلى مجموعة الاكتئاب أو المجموعة الضابطة.
اختبر الباحثون النظام على 383 مشاركًا، ممن توفرت لديهم المعلومات الجينية وبيانات تخطيط الدماغ الكهربائي، من بينهم 349 شخصًا سليمًا و34 شخصًا مصابًا بالاكتئاب.
زيادة الدقة من حوالي 86% إلى أكثر من 96%
تفوق النهج القائم على الرسوم البيانية بشكل ملحوظ على بنى الشبكات العصبية التي اختبرها الفريق سابقًا، حيث حققت الأنظمة السابقة دقة تقارب 86%، بينما تجاوز النموذج الجديد 96%.
كما أنه قلل من النتائج السلبية الخاطئة، أي الحالات التي يُصنف فيها شخص مصاب بالاكتئاب خطأً على أنه سليم، ويعتبر الباحثون هذا الأمر بالغ الأهمية في الفحص النفسي، لأن عدم تشخيص الاكتئاب قد يكون أكثر خطورة من إحالة شخص سليم إلى تقييم إضافي.
واعد، لكنه ليس اختبارًا سريريًا بعد
لا تزال هناك عدة تحديات قبل أن تنتقل هذه التقنية إلى الاستخدام الطبي، أحدها التكلفة، إذ تطلب تحديد النمط الجيني لحوالي 3000 مشارك في المشروع الأصلي حوالي 45 مليون روبل، بينما يجب تفسير البيانات النفسية الوراثية بحذر لتجنب استنتاجات مضللة.
يخطط الباحثون الآن لاختبار إمكانية تكرار النتائج في مجموعات مستقلة، كما يرغبون في تحديد ما إذا كانت بعض العلاقات التي اكتشفتها الشبكة العصبية تمثل أنماطًا بيولوجية حقيقية أم أنها ظهرت صدفةً، ويمكن لاحقًا اختبار نفس النهج القائم على الرسوم البيانية لتشخيص اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط لدى الأطفال، باستخدام البيانات التي جُمعت بالفعل ضمن المشروع الأوسع.


