ماهي أنواع أشجار المدن التي تساهم في تدهور جودة الهواء؟

© Sputnik . Ilya Naymushin
/ تابعنا عبر
أظهرت دراسة حديثة نشرتها مجلة نيتشر أن أشجارًا مثل الصفصاف والحور تُطلق كميات كبيرة من "الإيزوبرين"، وهو مركب طبيعي يُساعد في تحفيز التفاعلات الكيميائية المُنتجة للأوزون الضار على مستوى سطح الأرض.
كيف تُفاقم بعض أنواع الأشجار تلوث هواء المدن؟
عادةً ما ترتبط الأشجار بمدن أنظف وأكثر صحة، ولكن لا تتفاعل جميع الأشجار مع هواء المدن بالطريقة نفسها.
تُطلق العديد من النباتات بشكل طبيعي مركبات عضوية متطايرة (VOCs) كجزء من نشاطها البيولوجي المعتاد، وتُطلق أشجار الصفصاف (من جنس Salix) وأشجار الحور (من جنس Populus)، وكلاهما يُزرع على نطاق واسع في المدن لسرعة نموهما وقدرتهما على تحمل الظروف القاسية، كميات كبيرة من "الإيزوبرين"، وهو مركب عضوي متطاير ينتج كناتج ثانوي لعملية التمثيل الضوئي.
"الإيزوبرين" ليس أوزونًا بحد ذاته، والأشجار لا تُصدر الأوزون بشكل مباشر. تكمن المشكلة في اختلاط هذه المركبات الطبيعية مع الملوثات الموجودة أصلًا في هواء المدن.
أكاسيد النيتروجين (NOx) تأتي بشكل رئيسي من حركة المرور والصناعة، وفي ضوء الشمس، تُشارك المركبات العضوية المتطايرة في سلسلة من التفاعلات الجوية التي تشمل أكاسيد النيتروجين، والتي قد تُنتج في النهاية الأوزون على مستوى سطح الأرض، وهو ملوث يُمكن أن يُهيّج ويُتلف المجاري التنفسية، ويُسبب صعوبات خاصة للأشخاص المصابين بالربو أو أمراض الرئة الأخرى.
لذا، لا تكمن الأهمية في كون الغطاء النباتي الحضري ضارًا بطبيعته، بل في أن أنواعًا معينة من الأشجار قد تُساهم في توفير المكونات الكيميائية التي تُزيد من تكوّن الأوزون في هواء المدينة الملوث.
بكين تكشف عن خلل مُفاجئ
كان هدف الباحثين في الأصل هو دراسة مساهمة النشاط البشري في تلوث الأوزون في بكين، ولكن وفقًا للمؤلف المشارك في الدراسة، بين يوان، وهو كيميائي متخصص في الغلاف الجوي بجامعة جينان في قوانغتشو، الصين، فقد تبيّن أن تأثير الغطاء النباتي الحضري أكبر بكثير مما كان متوقعًا.
تم تحديد ما يقرب من 35% من أشجار بكين كمصادر لانبعاث "الإيزوبرين"، بما في ذلك أعداد كبيرة من أشجار الصفصاف والحور.
ولقياس تأثيرها، جمع الفريق عينات من الهواء في أنحاء بكين لتحديد تركيزات المركبات العضوية المتطايرة، ودمج هذه القياسات مع بيانات الأوزون من محطات الرصد المنتشرة في أنحاء المدينة.
بين شهري مايو/أيار ويوليو/تموز 2021، لم تُمثّل الغطاء النباتي سوى 10% تقريبًا من إجمالي انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة في بكين، بينما ساهمت المركبات والمواد الكيميائية الصناعية والأنشطة البشرية الأخرى بمعظم النسبة المتبقية.
وللوهلة الأولى، قد يبدو الغطاء النباتي غير ذي أهمية، لكن التحليل الكيميائي كشف عن صورة مختلفة تمامًا.
تشكل 10% فقط من انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة، ولكن 52% من التفاعلات المُكوِّنة للأوزون
بما أن المركبات العضوية المتطايرة لا تتحول مباشرةً إلى أوزون، فقد درس الباحثون سرعة تفاعلها مع "جذور الهيدروكسيل"، وهي جزيئات جوية شديدة التفاعل تُساعد في بدء سلسلة التفاعلات التي تُؤدي في النهاية إلى إنتاج الأوزون.
عندما تتفاعل المركبات العضوية المتطايرة مع "جذور الهيدروكسيل"، يُمكنها توليد "جذور البيروكسي"، التي تتفاعل بدورها مع "أكاسيد النيتروجين"، وتُساهم، تحت أشعة الشمس، في تكوين الأوزون.
باستخدام هذا المقياس، كانت النباتات مسؤولة عن 52% من التفاعلات الكيميائية المؤدية إلى تكوين الأوزون، على الرغم من أنها لا تمثل سوى 10% تقريبًا من إجمالي انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة، حيث برزت مادة الأيزوبرين كمساهم رئيسي.
يفسر هذا سبب كون مجرد حساب كمية التلوث المنبعثة مضللًا، إذ تختلف قدرة المركبات المختلفة على التأثير في كيمياء الغلاف الجوي اختلافًا كبيرًا.
أدت الأنشطة البشرية إلى انبعاث كميات أكبر من المركبات العضوية المتطايرة إجمالًا، لكن المركبات المشتقة من النباتات كانت ذات أهمية بالغة في التفاعلات التي تعزز تكوين الأوزون.
الحرارة تزيد التأثير بشكل كبير
برزت درجة الحرارة كأحد أهم العوامل.
عند 35 درجة مئوية، كان معدل تفاعل المركبات العضوية المتطايرة المشتقة من النباتات مع جذور الهيدروكسيل أعلى بسبع مرات منه عند 20 درجة مئوية.
مع ارتفاع درجة الحرارة من 20 درجة مئوية إلى 35 درجة مئوية، زادت مساهمة الغطاء النباتي في التفاعلات الكيميائية الكلية من 21% إلى 74%.
يشكل هذا تحديًا هامًا محتملًا للمدن التي تعاني من ارتفاع درجات الحرارة.
يمكن أن تؤدي الظروف الأكثر حرارة إلى زيادة انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة من النباتات وتسريع التفاعلات الكيميائية المسؤولة عن تكوين الأوزون، ما يعني أن أنواع الأشجار التي تنتج كميات كبيرة من "الإيزوبرين" قد يكون لها تأثير أكبر على جودة الهواء في المدن خلال موجات الحر ومع ارتفاع متوسط درجات الحرارة.
المشكلة تتجاوز حدود بكين
درس الباحثون أيضًا أنواع الأشجار المزروعة في 24 مدينة كبرى لتقدير انبعاثاتها المحتملة من الإيزوبرين.
وتوقع الباحثون أن يكون لدى العديد من المدن انبعاثات أكبر من بكين، بما في ذلك مدينة سان أنطونيو، في سيدني، على سبيل المثال، تم تحديد حوالي 65% من الأشجار كمصدر لانبعاثات الإيزوبرين.
وأشار إيان جيمي، الكيميائي البيئي في جامعة ماكواري بسيدني، إلى أن الأهمية النسبية للغطاء النباتي كمصدر للمركبات العضوية المتطايرة تتزايد جزئيًا بسبب الانخفاض الكبير في الانبعاثات من مصادر أخرى، وخاصة المركبات، خلال العقود الأخيرة.
لذا، فإن السيارات النظيفة لا تجعل أشجار المدن مصدرًا جديدًا للتلوث، ولكنها قد تجعل مساهمة المركبات المنبعثة طبيعيًا أكثر وضوحًا ضمن التغيرات الكيميائية في هواء المدينة.
قد تحتاج المدن الأكثر خضرة إلى اختيار أكثر ذكاءً للأشجار
لا تشير النتائج إلى ضرورة توقف المدن عن زراعة الأشجار، توفر المساحات الخضراء في المدن فوائد جمة، لكن الأبحاث تُظهر أن نوع الأشجار المزروعة يؤثر على جودة الهواء، لا سيما في المناطق التي تعاني من تلوث كبير بأكاسيد النيتروجين وفصول صيف شديدة الحرارة.
قد تبدو الأشجار سريعة النمو والمقاومة لتغير المناخ مثاليةً لتشجير المدن، إلا أن انبعاثها لكميات كبيرة من الإيزوبرين قد يؤدي، دون قصد، إلى تفاعلها مع حركة المرور والتلوث الصناعي، ما قد يُسهم في تكوين الأوزون.
لذا، فالموضوع أكثر تعقيدًا من مجرد القول بأن "الأشجار تُنقي الهواء" أو "الأشجار تُلوث الهواء"، إذ قد يحتاج مُخططو المدن إلى مراعاة الفوائد البيئية للنباتات والتركيب الكيميائي للغلاف الجوي لكل نوع منها.
مع ارتفاع درجات الحرارة، يُمكن أن يُصبح اختيار الأشجار الأقل انبعاثًا، عند الاقتضاء، أداةً أخرى لخلق مدن أكثر خضرةً دون التسبب، دون قصد، في تفاقم أحد الملوثات التي تهدف هذه المساحات الخضراء إلى مكافحتها.
المصدر: | مجلة ناتشر العلمية |



