الطباعة ثلاثية الأبعاد تحدث تحولا في مجال البحث العلمي

© Photo / unsplash/Snapmaker 3D Printer
تابعنا عبر
يلجأ العلماء بشكل متزايد إلى استخدام طابعات ثلاثية الأبعاد أرخص وأبسط لتصنيع أدوات مخبرية مُخصصة، بدلاً من الاعتماد كلياً على المعدات التجارية باهظة الثمن، ما قد يجعل الوفورات هائلة، إذ يُقدّر أحد الباحثين أن بناء تقنيات التدفق داخلياً قد وفّر أكثر من مليون جنيه إسترليني.
لكن الفرصة الأكبر تكمن في سهولة الوصول: إذ يُمكن للباحثين مشاركة التصميم الرقمي مع زملائهم في أي مكان في العالم، مما يسمح لمختبر آخر بإعادة إنتاج الأداة نفسها ببساطة عن طريق طباعتها محلياً.
من شراء المعدات العلمية إلى طباعتها
تعتمد المختبرات العلمية الحديثة على معدات متخصصة، ولكن حتى الأدوات البسيطة نسبياً قد تكون باهظة الثمن، خاصةً عندما تُنتج لسوق بحثية صغيرة.
بدأت الطباعة الثلاثية الأبعاد تُغيّر هذه العلاقة، فمع انخفاض تكلفة الطابعات وسهولة تشغيلها، يتجه الباحثون بشكل متزايد إلى تصميم وتصنيع المعدات المخبرية بأنفسهم، مُبتكرين أدوات مُصممة خصيصاً لتجاربهم بدلاً من تكييف عملهم مع أي منتجات تجارية مُتاحة.
إذا احتاج مختبرٌ ما إلى مُكوّنٍ مُعيّن، يُمكن للباحثين إنشاء نموذجٍ رقمي، وطباعة المُكوّن، وتعديل التصميم حتى يُؤدّي المهمة المطلوبة، وبذلك، يُمكن أن يُصبح ما كان يتطلّب سابقًا طلب أجهزة مُتخصّصة جزءًا من عملية البحث نفسها.
فرق التكلفة قد يكون هائلاً
قد تكون الميزة المالية أكبر بكثير من مجرّد خفضٍ طفيفٍ في نفقات المختبر.
يُسلّط تقريرٌ نُشر في مجلة "ناتشر العلمية"الضوء على عالمٍ يُقدّر أن بناء مفاعلات التدفق الخاصة به باستخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد قد وفّر أكثر من مليون جنيه إسترليني مُقارنةً بالاعتماد على المعدات المُشتراة تجاريًا".
تسمح مفاعلات التدفق بحدوث التفاعلات الكيميائية بشكلٍ مُستمرّ حيث تتحرّك المواد عبر نظامٍ مُتحكّمٍ به، وهي أدواتٌ تجريبيةٌ مُفيدةٌ في الكيمياء والمجالات ذات الصلة.
يُوضّح هذا المثال سبب كون الطباعة ثلاثية الأبعاد ذات قيمةٍ خاصةٍ في البحث العلمي: غالبًا ما تحتاج المختبرات إلى معداتٍ مُتخصّصةٍ بأعدادٍ صغيرة، وهو وضعٌ قد يكون فيه التصنيع التقليدي والشراء التجاري مُكلفًا بشكلٍ غير مُتناسب.
بدلاً من دفع ثمن جهاز علمي جاهز في كل مرة يتطلب فيها التصميم تعديلاً، يستطيع الباحثون تعديل النموذج الرقمي وتصنيع نسخة أخرى بأنفسهم.
يمكن تحويل أداة علمية إلى ملف قابل للتنزيل
لكن التكلفة ليست سوى جزء من المزايا، حيث تُسهّل الطباعة ثلاثية الأبعاد أيضاً مشاركة المعدات العلمية.
تستخدم المهندسة الكيميائية ماجدة باريكا خلايا تدفق مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد في مختبرها، وتُسلط الضوء على ميزة مهمة لهذا النهج: لا يحتاج باحث آخر بالضرورة إلى شراء أو استلام نفس المعدات فعلياً. يمكن مشاركة التصميم نفسه رقمياً.
كما توضح باريكا في مقالها، يستطيع الباحثون تنزيل المعلومات من ورقة بحثية وطباعة المعدات بأنفسهم.
تقليدياً، قد يحتاج الباحثون الذين يحاولون تكرار عمل مختبر آخر إلى الوصول إلى نفس المعدات التجارية المتخصصة، ولكن مع التصميم القابل للطباعة، يمكن نقل جزء من الإعداد التجريبي كمعلومات بدلاً من معدات.
لماذا قد يُسهّل هذا الوصول إلى الأبحاث؟
إنّ إمكانية مشاركة التصاميم لها آثار تتجاوز مجرد التسهيل، فإذا أمكن تصنيع معدات بحثية متخصصة محليًا انطلاقًا من نموذج رقمي منشور، فلن تحتاج المختبرات دائمًا إلى الاعتماد على نفس المصنّعين أو شبكات الشحن أو ميزانيات الشراء.
يمكن لمجموعة بحثية تُطوّر مكونًا مفيدًا أن تُتيح هذا التصميم لعلماء آخرين، مما يسمح للمختبرات في أماكن أخرى بإعادة إنتاجه أو تكييفه لتجاربها الخاصة.
بهذا المعنى، يُمكن للطباعة ثلاثية الأبعاد أن تُحوّل معدات المختبرات إلى ما يُشبه البرمجيات: صمّم مرة واحدة، وزّع رقميًا، واصنع حيثما دعت الحاجة. قد يكون هذا مفيدًا بشكل خاص للمعدات المُخصصة التي قد لا يكون من المُجدي اقتصاديًا للشركات تصنيعها بكميات كبيرة.
المختبر يصبح جزء ورشة عمل ومساحة بحث
لذا، لا تكمن أهمية الطباعة ثلاثية الأبعاد في مجرد إمكانية إنتاج الأجسام البلاستيكية بتكلفة منخفضة. بل إنها تُعطي الباحثين تحكمًا مباشرًا أكبر في الأدوات المادية المُستخدمة في إجراء البحوث العلمية.
يستطيع العالم تحديد مشكلة عملية، وتصميم جهاز لحلها، وطباعته، واختباره، ثم تحسين تصميمه، مما يجعل تطوير الأجهزة أقرب بكثير إلى التجربة نفسها، ويسلط التقرير الضوء على هذا التوجه المتنامي، حيث أصبحت طابعات ثلاثية الأبعاد في متناول الجميع وسهلة الاستخدام، مما يسمح لمزيد من الباحثين بدمج التصنيع الإضافي في أعمالهم المختبرية اليومية.
لعلّ أهم تغيير هو تغيير طريقة التفكير: لم يعد من الضروري أن يشتري العلماء معدات المختبرات، بل أصبح بإمكانهم تصميمها ومشاركتها وبنائها بأنفسهم.
إنّ هذا المزيج من انخفاض التكلفة، وإمكانية التخصيص، وإمكانية مشاركة التصاميم رقميًا هو ما يجعل الطباعة ثلاثية الأبعاد تقنيةً ثوريةً في مجال البحث العلمي، ليس لأنّها ستطبع جميع أدوات المختبرات، بل لأنّها تُتيح للعلماء الآن وسيلةً أخرى لإنشاء الأدوات التي تتطلبها تجاربهم بدقة.
المصدر: | مجلة ناتشر العلمية |


