كيف يسعى الدماغ لتحقيق هدفين في آن واحد؟

© Sputnik . Anna Ratkoglo
/ تابعنا عبر
غالبا ما يتطلب السلوك البشري أكثر من مجرد الاختيار بين هدفين، فقد نحتاج إلى السعي لتحقيق كليهما في وقت واحد، مع تعديل مقدار الانتباه والجهد المُوجّه لكل منهما باستمرار. استخدمت دراسة حديثة إطارًا هندسيًا يُسمى "نظرية التحكم" للكشف عن كيفية دمج الناس للاستراتيجيات بشكل ديناميكي أثناء لعب لعبة فيديو بسيطة.
الحياة الواقعية نادرا ما تقدم لنا هدفا واحدا فقط
تخيل محاولة الوصول إلى مكان ما بسرعة مع تجنب الخطر في الوقت نفسه، يواجه حيوان يسعى وراء الطعام مع تجنب المفترس مشكلة مماثلة، ويواجه البشر باستمرار مواقف تكون فيها عدة أهداف مهمة في الوقت نفسه.
لذلك، لا يستطيع الدماغ دائمًا العمل عن طريق اختيار هدف واحد، وإنجازه، ثم الانتقال إلى الهدف التالي.
بدلاً من ذلك، يتطلب السلوك الناجح غالباً دمج الاستراتيجيات، والتحرك بطريقة تُحرز تقدماً نحو عدة أهداف في آنٍ واحد. تُطلق الطبيعة على هذه القدرة اسم دمج الأهداف، والسؤال المهم هو كيف يُجري الدماغ هذا الدمج؟
العلماء يستعيرون فكرة من الهندسة
للبحث في هذه المشكلة، لجأ باحثون بقيادة آسيا تشيريكوني وزملاؤها إلى "نظرية التحكم"، وهي إطار هندسي ورياضي يُستخدم عادةً لفهم كيفية توجيه الأنظمة نفسها نحو النتائج المرجوة.
يُقدم منظم الحرارة مثالاً بسيطاً على التحكم: فهو يُحدد درجة الحرارة المطلوبة، ويقيس الحالة الراهنة، ويُعدّل التدفئة وفقاً لذلك.
يُعد السلوك البشري أكثر تعقيداً بكثير، لكن السؤال الأساسي قد يكون مشابهاً: ما الهدف الذي يسعى النظام إلى تحقيقه، وما المعلومات التي لديه حول وضعه الحالي، وما الإجراء الذي ينبغي عليه اتخاذه تالياً؟
استخدم الباحثون هذا الإطار بشكل عكسي، حيث راقبوا سلوك الأفراد واستخدموا أفعالهم لاستنتاج الأهداف والاستراتيجيات التي توجههم.
لعبة فيديو تجعل الأهداف الخفية قابلة للقياس
لعب المشاركون لعبة فيديو بسيطة، حيث أمكن تتبع سلوكهم بدقة.
بدلاً من مطالبة المشاركين بشرح الاستراتيجية التي اتبعوها، استخدم الباحثون نظرية التحكم لاستنتاج أهدافهم من القرارات التي اتخذوها فعلياً. سمح هذا للعلماء بدراسة أمر يصعب عادةً ملاحظته مباشرةً: كيف يجمع الدماغ بين استراتيجيات مختلفة موجهة نحو تحقيق الأهداف لحظةً بلحظة.
أظهرت النتائج أن المشاركين لم يكتفوا بالتناوب الجامد بين هدف وآخر، بل عكس سلوكهم مزيجاً ديناميكياً من استراتيجيات تحكم مختلفة.
هذا التمييز مهم، لأنه يشير إلى أن السلوك المرن لا ينتج بالضرورة عن "تبديل المهام" بشكل متكرر بالمعنى البسيط، بل يمكن للدماغ أن يضع خطة عمل تخدم أكثر من هدف في آن واحد.
ثلاث مناطق دماغية تعمل كنظام منسق
وجدت الدراسة أن ثلاث مناطق دماغية تعمل معاً لتنفيذ دمج الأهداف، بدلاً من أن تقرر منطقة واحدة بشكل مستقل ما يجب فعله، ويوفر هذا صورة أكثر فائدة لعملية صنع القرار، وفقا لـمجلة "ناتشر" العلمية.
فبدلاً من تصوّر الدماغ كمركز قيادة مركزي واحد يختار الهدف ويصدر التعليمات، تشير النتائج إلى أن التحكم المرن ينشأ من التعاون بين أنظمة عصبية متخصصة، ويساهم كل نظام في العملية الأوسع التي تسمح للسلوك بالبقاء متجاوبًا عند تغير الظروف أو الأولويات أو الفرص.
لذا، لا يقتصر إنجاز الدراسة على مجرد تحديد نشاط الدماغ أثناء اللعب، بل يتعداه إلى ربط وصف رياضي للسلوك الموجه نحو الهدف بالنشاط المنسق لأنظمة عصبية محددة.

