لماذا نتذكر بعض اللحظات وننسى أخرى؟ النوم قد يحمل الإجابة

© Photo / unsplash/Vladislav Muslakov
تابعنا عبر
حدد باحثون من جامعة يورك آلية عصبية قد تساعد في الإجابة على هذا السؤال، "لماذا تبقى لحظة ما عالقة في أذهاننا لسنوات بينما تختفي أخرى في صباح اليوم التالي؟"، يبدو أن الدماغ يُعلّم ذكريات معينة أثناء اليقظة، مانحًا إياها الأولوية لمزيد من المعالجة أثناء النوم.
يُغمر الدماغ يوميًا بكم هائل من المعلومات: محادثات، صور، أسماء، مشاعر، مهام، أماكن، وتفاصيل صغيرة لا حصر لها،ومع ذلك، لا يبقى في ذاكرتنا سوى جزء ضئيل من هذه التجارب.
اكتشف الباحثون إشارة دماغية قد تساعد في تحديد التجارب التي تُرسخ في الذاكرة طويلة الأمد أثناء النوم.
النوم لا يقتصر على إراحة الدماغ
لطالما عرف العلماء أن النوم يلعب دورًا هامًا في ترسيخ الذاكرة: وهي العملية التي تصبح من خلالها المعلومات المكتسبة حديثًا أكثر استقرارًا وتُدمج في الذاكرة طويلة الأمد. كان اللغز يكمن في كيفية معرفة الدماغ أي الذكريات يجب ترسيخها.
بحثت دراسة جديدة، نشاط الدماغ أثناء تعلم المشاركين روابط جديدة بين الكلمات والصور، ثم فحص الباحثون كيفية معالجة هذه التجارب أثناء النوم اللاحق، وتشير نتائجهم إلى أن عملية الانتقاء تبدأ فعليًا قبل أن نخلد إلى النوم.
قد يقوم الدماغ "بتمييز" الذكريات المهمة أثناء اليقظة
خلال عملية التعلم، رصد الباحثون نمطًا معينًا من نشاط الدماغ يُعرف باسم "إيقاع ثيتا".
موجات ثيتا هي تذبذبات - أنماط متكررة من النشاط الكهربائي تنتجها شبكات الخلايا العصبية. في هذه التجربة، بدا أن قوة هذه الموجات بمثابة إشارة عصبية تُشير إلى الذكريات المُتشكلة حديثًا والتي ينبغي إيلاء اهتمام خاص لها لاحقًا.
كانت الذكريات المصحوبة بنشاط ثيتا قوي بشكل خاص أثناء التعلم أكثر عرضةً للترسخ أثناء النوم. وبالتالي، كان المشاركون أكثر قدرة على استرجاع تلك المعلومات لاحقًا.
يمكن تبسيط هذه العملية بتصور أن الدماغ يُضيف علامة مؤقتة تُشير إلى تجارب معينة خلال اليوم. عندما ننام، تزداد احتمالية تعزيز تلك الذكريات المميزة والاحتفاظ بها.
لا يعني هذا أن الدماغ يُصنف الذكريات حرفيًا، بل إن هذا التشبيه يُساعد في تفسير كيف يُمكن لأنماط النشاط العصبي المُسجلة أثناء التعلم أن تُؤثر على المعلومات التي تحظى بالأولوية أثناء معالجة الذاكرة لاحقًا.
لماذا لا يقوم الدماغ بمحاولة استرجاع كل شيء؟
قد يبدو النسيان نقطة ضعف، لكن تذكر كل تفاصيل كل يوم سيخلق مشكلة مختلفة تمامًا، حيث يمتلك الدماغ موارد محددة لتحويل التجارب إلى ذكريات راسخة. لذا، فهو بحاجة إلى طريقة لتمييز المعلومات الجديرة بالحفظ عن المعلومات الأقل فائدة.
أوضح الباحث الرئيسي، الدكتور دان دينيس، أن إعطاء الأولوية الانتقائية للتجارب المهمة يسمح لنا باستخدام الماضي لتوجيه تفاعلاتنا المستقبلية مع العالم. قد تحظى الأحداث بأولوية أكبر لأنها ذات مغزى عاطفي، أو لأنها قد تصبح مهمة لاحقًا.
فالذاكرة ليست مجرد تسجيل لكل ما يحدث لنا، إنها نظام انتقائي، يُقرر الدماغ باستمرار أيّ أجزاء التجربة تستحق أن تُصبح جزءًا من السجل طويل الأمد الذي نتعلم منه، ونتخذ القرارات، ونُفسر الأحداث المستقبلية.
ماذا يحدث أثناء النوم؟
تشير الدراسة إلى تقسيم دقيق للعمل بين نشاط الدماغ أثناء اليقظة والنوم.
أثناء اليقظة: تتشكل التجارب، وقد يُشير النشاط العصبي إلى أن بعضها يستحق الأولوية.
أثناء النوم: يُعزز الدماغ بشكل تفضيلي بعض هذه الذكريات المُختارة، مما يجعلها أكثر ثباتًا وأسهل استرجاعًا لاحقًا.
قد يُساعد هذا في تفسير ظاهرة يمر بها الكثير من الناس بشكل طبيعي: بعد دراسة شيء مهم أو مواجهة أمرٍ هام، يُمكن أن يجعل النوم المعلومات أكثر وضوحًا أو أسهل تذكرًا في اليوم التالي.
تشير النتائج الجديدة إلى أن النوم لا يُعزز الذكريات بشكل عشوائي فحسب، بل قد يعمل وفقًا للأولويات التي تم تحديدها أثناء التجربة الأصلية.
30 يناير, 19:57 GMT
قد يساعدنا هذا الاكتشاف أيضًا في فهم الاكتئاب
تُعدّ القدرة على ترتيب الذكريات حسب الأولوية مفيدةً في العادة، لكن الباحثين يُشيرون إلى أن عملية الفرز نفسها قد تُصبح غير مُتكيفة. يُقدّم الاكتئاب مثالًا هامًا على ذلك.
وفقًا للباحثين، قد يُوجّه الأشخاص المُصابون بالاكتئاب انتباهًا مُفرطًا نحو المعلومات السلبية، بينما يتجاهلون أو يُقلّلون من أهمية التجارب الإيجابية. إذا تغيّرت الآليات التي تُحدّد التجارب ذات الأولوية، فقد تُصبح الذكريات السلبية أكثر تأثيرًا.
أهمية هذا الاكتشاف
هذه النتائج تضفي على النوم دورًا أكثر أهمية، فبينما يستريح الوعي، لا يقتصر دور الدماغ على تخزين كل ما حدث خلال اليوم، بل يبدو أنه يُنظّم التجارب، فيُعزز بعض الذكريات بينما يسمح لأخرى بالتلاشي.
وقد يبدأ قرار تحديد ما يستحق البقاء حتى الغد قبل وقت طويل من إغماض أعيننا.
المصدر: | بوابة روسيا العلمية |


