ماذا يحدث للعقل بعد شهرين من العزلة؟
17:28 GMT 09.09.2026 (تم التحديث: 17:29 GMT 09.09.2026)

© Photo / Unsplash/ Gadiel Lazcano
تابعنا عبر
كشفت مهمة محاكاة للرحلة إلى القمر استمرت عاماً كاملاً عن فترة نفسية صعبة تظهر قرابة الشهر الثاني، كما أوضحت كيف يمكن لعوامل مثل وجود هدف، والروتين، والعمل الهادف، والتواصل الإنساني أن تساعد الأفراد على التأقلم مع فترات العزلة الطويلة.
ماذا يحدث عندما يعيش ستة أشخاص ويعملون معاً في بيئة مغلقة لمدة عام كامل، بعيداً عن الحياة المعتادة ووفق جدول زمني صارم صُمم لمحاكاة مهمة فضائية؟
أتاحت تجربة العزلة "سيريوس -23" التي أُجريت بين عامي 2023 و2024 في معهد المشكلات الطبية الحيوية التابع لأكاديمية العلوم الروسية- للباحثين فرصة نادرة لدراسة هذه المسألة، فقد قضى رجلان وأربع نساء عاماً في ظروف تحاكي مهمة قمرية مأهولة، شملت عمليات الطيران، والالتحام، والعمل على سطح قمري افتراضي، والتعامل مع سيناريوهات الطوارئ،وفي بعض الأحيان، واجه المشاركون ظروفاً شاقة، مثل البقاء مستيقظين لمدة تقارب اليوم ونصف اليوم.
ومن بين الدراسات النفسية التي أُجريت خلال التجربة، ركّز باحثون من جامعة "سيتشينوف" ومعهد المشكلات الطبية الحيوية على سؤالين جوهريين يتعلقان بالطبيعة البشرية: كيف تغيّر العزلة الطويلة إدراكنا للوقت؟ وكيف تتطور العلاقات داخل مجموعة صغيرة؟
عند علامة الشهرين تقريباً، حدث تغيير ما!
رصد الباحثون تحولاً ملحوظاً عند الوصول إلى علامة الشهرين تقريباً من عمر التجربة.
بدأ المشاركون يشعرون بحنين أقوى لحياتهم الطبيعية، وبدأوا يتساءلون عن الأشياء التي تخلوا عنها مؤقتاً للمشاركة في المهمة، ومالت مشاعرهم وارتباطاتهم العاطفية نحو مفاهيم سلبية مثل الحزن والازدراء، كما تغير إدراكهم للوقت أيضاً.
بدا المستقبل غامضاً، ولم تكن ذكريات الحياة خارج التجربة توفر الراحة بالضرورة؛ بل على العكس، كانت تزيد من حدة الشوق للأقارب والأنشطة المألوفة وحرية الحياة اليومية، والأكثر لفتاً للانتباه هو أن الوقت نفسه بدا وكأنه يتباطأ؛ إذ أصبحت الأيام تبدو طويلة ورتيبة ويصعب التمييز بينها.
هذا لا يعني بالضرورة وجود "حد نفسي عند الشهرين" ينطبق عالمياً على كل من يعيش في عزلة؛ فقد شملت التجربة طاقماً مكوناً من ستة أفراد في بيئة خاضعة لرقابة صارمة، لكن التجربة قدمت ملاحظة قيّمة حول مرحلة تأقلم قد تكون صعبة، وهي ملاحظة يمكن للباحثين دراستها بشكل أعمق في المهام الفضائية ودراسات العزلة المستقبلية.
لماذا يبدو أن العمل الهادف يجعل الوقت يمر بشكل أسرع؟
عندما كان المشاركون يؤدون مهاماً يومية متكررة، كان الشعور ببطء الوقت وامتداده اللانهائي يزداد وضوحاً، لكن هذا الشعور كان يتغير أثناء ممارسة أنشطة تتطلب جهداً وتتسم بالتنوع — مثل محاكاة عمليات على سطح القمر أو التعامل مع حالات الطوارئ؛ إذ كانت الرتابة تتلاشى، ويعود الوقت ليبدو أكثر تنظيماً وإيجازاً.
يشير هذا الأمر إلى تمييز نفسي مهم: فكون المرء مشغولاً لا يعني بالضرورة أنه منخرط في نشاط ذي مغزى.
كما شدد الباحثون على أهمية الدافع؛ إذ يمكن للأشخاص التكيف بشكل أفضل مع فترات العزلة الطويلة عندما يمتلكون إجابة واضحة عن سؤال جوهري: لماذا أقوم بهذا الأمر؟
بالنسبة للمشاركين الذين ينظرون إلى العزلة باعتبارها مرحلة هادفة نحو تحقيق غاية شخصية أو مهنية مهمة، تظل صورة المستقبل أكثر وضوحاً وملموسية؛ فيتحول الحاضر الشاق إلى خطوة مؤقتة بدلاً من أن يبدو وضعاً لا نهاية له.
اليوم القابل للتنبؤ قد يشكل دعماً نفسياً
ثمة ملاحظة لافتة أخرى تتعلق بأمر مألوف للغاية: الجدول الزمني اليومي.
سارت الحياة داخل التجربة وفق برنامج دقيق التنظيم، حيث خُططت أيام المشاركين بعناية فائقة، ورغم تغير بعض جوانب إدراكهم للوقت أثناء التجربة، إلا أنهم وصفوه باستمرار بأنه وقت منظم ومحسوب ومرتب.
ويرى الباحثون أن هذه القدرة على التنبؤ بمسار اليوم قد تعمل بمثابة ركيزة نفسية مهمة؛ فعندما تكون البيئة المحيطة ثابتة ولا تشهد تغيرات تذكر، يساعد الإيقاع اليومي المنتظم والموثوق في منح الحاضر حدوداً واضحة، ويعزز الشعور بأن هذه الفترة العصيبة لها بداية وهيكل محدد، وستنتهي في نهاية المطاف.
العزلة تغير العلاقات أيضا
خلال الأسابيع الأولى، كان أفراد الطاقم يقيّمون بعضهم بعضا بشكل محايد عموماً، بينما كانوا يتعرفون على أساليب عمل زملائهم وأنماط سلوكهم، وبحلول الشهر الثاني تقريباً، كانت قد تبلورت أدوار اجتماعية أكثر وضوحاً؛ إذ برز ثلاثة مشاركين - بمن فيهم القائد الرسمي - كقادة غير رسميين نالوا احترام زملائهم. وفي حين حظي اثنان آخران بتقدير مهني لكنهما ظلا أكثر تحفظاً أو مسافةً من الناحية الاجتماعية، اتخذ مشارك واحد موقع "الدخيل" أو الشخص المنعزل عن المجموعة.
حدد الباحثون الذين يدرسون أطقم العمل المعزولة سماتٍ قد تساعد الأفراد على التكيف، مثل الاستقرار العاطفي، والقدرة على التواصل الاجتماعي، وسرعة الاستجابة، وحس الدعابة، والمرونة في التواصل. ومع ذلك، لا توجد شخصية مثالية واحدة تناسب جميع المهام؛ فالخصائص المفيدة أثناء رحلة مدارية قصيرة قد تختلف عن تلك المطلوبة لرحلة أطول بكثير إلى المريخ.
كما يمكن أن تؤدي الرتابة المستمرة لفترات طويلة إلى ما يصفه الباحثون بـ "الوهن النفسي" (psychological asthenization)، وهو تدهور في المزاج والقدرة على ضبط النفس، يصاحبه شعور بالتعب وسرعة الانفعال،وفي ظل هذه الظروف، قد تصبح حتى العادات العادية للآخرين - بدءاً من طريقة حديثهم ووصولاً إلى كيفية ترتيب مقتنياتهم - مصدراً لإزعاج مبالغ فيه.
يمكن للمشاعر أن تغير حتى إدراكنا للوقت
كشفت الدراسة أيضاً عن رابط مثير للاهتمام بين العواطف والإدراك الذاتي للوقت.
ارتبطت المشاعر القوية والمفاجئة - مثل الغضب أو الهياج أو الفرح الغامر - بتجربة زمنية تبدو أسرع وأكثر تكثيفاً وديناميكية، أما المشاعر الأكثر استمراراً - مثل الشعور بالذنب والتعب والكراهية - فقد أظهرت نمطاً معاكساً؛ فعندما يعاود الأفراد استحضار الأفكار أو المشاعر المزعجة نفسها مراراً وتكراراً، قد يبدو الحاضر طويلاً وفارغاً.
وهذا يفسر سبب كون العزلة ليست مجرد مسألة عدٍّ للأيام؛ إذ يمكن لشخصين قضاء العدد نفسه من الساعات في المكان المادي ذاته، ومع ذلك يختبران ذلك الوقت بطرق مختلفة تماماً.
ما الذي قد يساعد أثناء فترات العزلة الطويلة؟
يصف باحثو مشروع "سيريوس" أشكالاً متعددة من الدعم النفسي التي قد تساعد في تخفيف حدة الرتابة وتعزيز تماسك الفريق الصغير.
تعمل الاحتفالات على كسر الروتين وخلق لحظات لا تُنسى، كما توفر الأفلام والكتب والموسيقى نوعاً من الانفصال النفسي عن البيئة المغلقة، ويمكن للتواصل مع الأقارب أن يقلل من الشعور بالانفصال التام عن الحياة العادية. كذلك، يبدو منح كل عضو في الفريق مسؤولية ذات مغزى أمراً مهماً، نظراً لحاجة الأفراد للشعور بأن مساهمتهم ذات قيمة وأهمية.
ويرى الباحثون أيضاً قيمةً في الأنشطة التي تعزز العلاقات قبل أن تتفاقم المشكلات وتترسخ. قد تشمل هذه الأنشطة فعاليات مشتركة تتيح لأفراد الطاقم التعرف على بعضهم البعض بشكل أفضل، وتبادل الأدوار ليتسنى للأفراد تجربة مهام ومسؤوليات زملائهم، وحتى خلق مواقف تتطلب من المشاركين طلب المساعدة من بعضهم البعض؛ إذ أن تبادل المساعدة -سواء بتقديمها أو تلقيها- من شأنه تعزيز مشاعر الألفة والتعاون داخل المجموعة.
كما اختبرت مهمة "سيريوس -23" شكلاً أكثر حداثة ومستقبلية للدعم، ألا وهو الواقع الافتراضي، فقد أتيح للمشاركين استخدام نظارات الواقع الافتراضي لمحاكاة بيئات متنوعة -مثل الغابات والشواطئ والمشاهد تحت الماء- مما وفر تنوعاً بصرياً في بيئة تتسم بطبيعتها بالمحدودية والانغلاق. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن استخدام الواقع الافتراضي لأغراض الدعم النفسي لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث.
وتتجاوز الأهداف بعيدة المدى ذلك كله؛ إذ يتصور العلماء أنظمة آلية قادرة على رصد مؤشرات مثل نبرة الصوت ومحتوى الحديث والإشارات الفسيولوجية لتقدير مستويات الإجهاد والحالة النفسية، ومن ثم اقتراح أشكال الدعم المناسبة. ومن شأن "الاختصاصيين النفسيين الرقميين" هؤلاء أن يقدموا المساعدة مستقبلاً -ليس فقط لأطقم الرحلات الفضائية التي تسافر بعيداً عن الأرض، بل أيضاً للأشخاص الذين يعملون في بيئات معزولة على كوكبنا، بما في ذلك المحطات البحثية في المناطق القطبية.
وهكذا، تقدم مهمة "سيريوس -23" درساً قيماً يتجاوز نطاق الرحلات الفضائية؛ فعندما يتعذر على الأفراد تغيير بيئتهم المحيطة بسهولة، تصبح عوامل مثل وجود هدف محدد، والقيام بأنشطة ذات مغزى، واتباع روتين يمكن التنبؤ به، وتحمل المسؤولية، والحفاظ على الروابط الإنسانية، من أهم الوسائل التي يمكن أن تغير شعورهم تجاه تلك البيئة.
المصدر: | بوابة روسيا العلمية |




