رفع تحذيرات الطيران عن ليبيا... عودة إلى خريطة الملاحة الدولية ومكاسب اقتصادية مرتقبة

© AP Photo / Dario Lopez-Mills
تابعنا عبر
حصري
يمثل إعلان منظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو" إلغاء التحذيرات السابقة المتعلقة بالمجال الجوي الليبي خطوة مهمة نحو استعادة مكانة ليبيا على خريطة الطيران المدني الدولي، بعد سنوات طويلة من القيود التي فرضتها الاضطرابات الأمنية والتحديات التي شهدها قطاع الطيران في البلاد.
وفي السياق، قال الخبير في المطارات الليبية، أسامة الفرجاني، في حديث لـ"سبوتنيك": "إلغاء منظمة الطيران المدني الدولي التحذيرات المتعلقة بالمجال الجوي الليبي يحمل دلالات فنية وتنظيمية مهمة، ويعد مؤشرًا إيجابيًا على انخفاض مستوى المخاطر في ليبيا"، موضحًا أن "تقييم المخاطر في قطاع الطيران يعتمد على تصنيفات متعددة، تشمل المناطق الحمراء والصفراء وغيرها، وفقًا لمستويات الخطورة".
وأضاف الفرجاني: "هذه الخطوة تدل على أن الدولة الليبية أصبحت في مأمن، من الناحية المتعلقة بحركة الطائرات والمجال الجوي الأوروبي"، مشيرًا إلى أن" ذلك يحمل دلالات مهمة لليبيا من مختلف النواحي، سواء السياسية أو الاقتصادية أو اللوجستية، أو غيرها من الجوانب التي تهم المواطن بالدرجة الأولى".
وأوضح أن "هذا القرار يعني، بصورة عملية، أن المواطنين الليبيين والشركات الليبية والأوروبية أصبح بإمكانهم التحرك بحرية أكبر داخل ليبيا"، مؤكدًا أن "ذلك سينعكس على المواطن بالدرجة الأولى، سواء في سفره أو تنقله، بدلًا من تكبد عناء رحلات الترانزيت وما يترتب عليها من مشقة وتكاليف إضافية".
وأشار إلى أن "هذه الخطوة تحمل أيضًا دلالات سياسية، باعتبارها مؤشرًا على أن الدول أصبحت تنظر إلى ليبيا بوصفها دولة تتمتع بمستوى أكبر من الاستقرار والأمان، وهو ما قد ينعكس على العلاقات السياسية بين ليبيا والدول الأوروبية".
وتابع: "الجانب الاقتصادي يمثل أحد أبرز الجوانب التي يمكن أن تستفيد من هذا التطور، من خلال حركة البضائع والسلع التي سيتم استيرادها وتبادلها بين ليبيا والدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي بشكل عام، بما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين".
وفيما يتعلق بمدى إتاحة المجال الجوي الليبي أمام شركات الطيران الدولية والأوروبية بشكل خاص، قال الفرجاني: "القرار يعني، بصورة واضحة، أن المجال الجوي الليبي أصبح متاحًا جزئيًا أمام الشركات الدولية"، مشيرًا إلى أن "هناك إجراءات إضافية لا بد أن تستكملها الدولة الليبية، في مقدمتها الإجراءات المتعلقة بالأمن والسلامة، إلى جانب الإجراءات الفنية المرتبطة بالخدمات اللوجستية والخدمات الأرضية في المطارات".
وأضاف: "في اعتقادي الشخصي، فإن الموضوع يحتاج إلى بعض الوقت، فهو ليس متاحًا بالكامل، ولكن أعتقد أنه سيكون متاحًا بشكل جزئي وتصاعدي"، موضحًا أنه، كما هو معلوم، فإن "شركات الطيران ومنظمات الطيران المدني وسلطات الطيران المدني في الدول عادة ما تجري جولات استباقية قبل فتح أي رحلة جوية إلى أي بلد، سواء ليبيا أو غيرها، حيث تكون هناك لجان للتدقيق الأمني على المطارات".
وتابع الفرجاني: "هذه اللجان تركز بشكل خاص على جانب السلامة، والإجراءات الأمنية المتبعة داخل المطارات، إلى جانب التدقيق على الأجهزة المستعملة، سواء كانت أجهزة التفتيش الشخصي أو تفتيش الحقائب، أو أجهزة الكشف عن المتفجرات المعروفة".
وأشار إلى أن "هذه الإجراءات تشمل كذلك التدريب الذي تتلقاه العناصر الأمنية، والدورات التدريبية التي خضعت لها هذه العناصر، وآخر الدورات التي تلقتها"، مؤكدًا أن "هذه النقاط تمثل أبرز الجوانب التي تركز عليها شركات الطيران ومنظمات الطيران المدني عند فتح خطوط جوية جديدة في أي مكان".
وفيما يتعلق بالمدة المتوقعة لعودة شركات الطيران الدولية إلى المطارات الليبية، قال الفرجاني إن "الأمر ليس بهذه السهولة، واستكمال الإجراءات المطلوبة قد يستغرق عدة أشهر، وربما من ثلاثة أشهر فما فوق"، مؤكدًا أن "هناك إجراءات وتدابير إضافية يتعين على الدولة الليبية الاهتمام بها، من بينها ضرورة إيلاء المطارات اهتمامًا خاصًا، وإجراء تقييم دقيق لأوضاعها، إلى جانب الاهتمام بتدريب العناصر العاملة داخل المطارات، ولا سيما العناصر الأمنية".
وأكد "ضرورة تطوير الأجهزة المستعملة داخل المطارات، وتوفير الصيانة الدورية والوقائية لها، فضلًا عن ضرورة توفر السجلات الخاصة بالإجراءات الأمنية، بما يضمن استيفاء المتطلبات الفنية والتنظيمية اللازمة"، مشددًا على "ضرورة الاستعانة بالخبرات والكفاءات المتخصصة، وبالأشخاص الذين يعملون في هذه المجالات، بمختلف التخصصات المرتبطة بقطاع المطارات، من أجل استكمال الإجراءات المطلوبة وتهيئة الظروف المناسبة لعودة حركة الطيران الدولي إلى المطارات الليبية".
آفاق جديدة
بدوره، يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي الليبي علي الغويل، أن "رفع التحذيرات الدولية عن المجال الجوي الليبي في أكتوبر/تشرين الأول 2026، يمثل تطوراً مهماً في مسار تعافي الاقتصاد الليبي، وليس مجرد إجراء فني يتعلق بقطاع الطيران"، موضحاً أن "المجال الجوي يمثل مورداً اقتصادياً وسيادياً يمكن أن يتحول إلى مصدر للإيرادات العامة، وأداة لتعزيز موقع ليبيا في حركة النقل الجوي والتجارة الدولية".
وأوضح في حديثه لـ"سبوتنيك" أن "المكاسب الاقتصادية المحتملة من هذه الخطوة تتمثل في ثلاثة مسارات رئيسية، يأتي في مقدمتها زيادة إيرادات عبور الطائرات، إذ تستطيع ليبيا تحصيل رسوم مقابل استخدام مجالها الجوي من الطائرات الدولية العابرة، وفقاً لوزن الطائرة ونظام الرسوم المعتمد".
وأشار الغويل إلى أن "بيانات مصلحة الطيران المدني الليبية، المنشورة في النشرة الجوية AIC A 1/24، تفيد بأن رسوم عبور المجال الجوي تتراوح بين 200 و1,100 يورو للطائرة، بحسب وزن الإقلاع الأقصى"، لافتاً إلى أن "هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة، لأن ليبيا لا تحتاج بالضرورة إلى تشغيل رحلات تجارية أو استقبال المسافرين لتحقيق إيرادات من مجالها الجوي، بل يمكنها الاستفادة من حركة الطائرات العابرة".
وفيما يتعلق بالزيادة المتوقعة في حركة العبور، قال الخبير الاقتصادي إنه "وفقاً لتصريحات وزارة المواصلات الليبية التي نقلتها وكالة رويترز في 26 أكتوبر الماضي، ارتفعت طلبات الحصول على تصاريح عبور المجال الجوي الليبي إلى نحو 61,968 رحلة شهرياً، اعتباراً من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، مقارنة بمتوسط يقارب 2,000 رحلة شهرياً خلال الموسم الساب"ق.
وأضاف: "المسار الثاني يتمثل في تنشيط القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالطيران، إذ لا تقتصر المكاسب على رسوم العبور، بل يمكن أن تمتد إلى خدمات الملاحة الجوية والمراقبة والاتصالات، وخدمات المطارات والصيانة الفنية للطائرات، والتموين والخدمات الأرضية والشحن الجوي، وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالقطاع".
أما المسار الثالث، حسب الغويل، "يتمثل في تعزيز جاذبية المجال الجوي الليبي أمام شركات الطيران العالمية، إذ أن إلغاء التحذيرات المرتبطة باستخدامه يبعث برسالة إيجابية إلى شركات الطيران الدولية، ويقلل أحد العوائق التي كانت تدفعها إلى تجنب الأجواء الليبي".
ولفت إلى أن "إتاحة المجال الجوي الليبي أمام حركة الطيران الدولية يمكن أن يسهم في خفض تكاليف الرحلات الجوية، من خلال اختصار بعض المسارات بين أوروبا وإفريقيا، بدلاً من الالتفاف حول ليبيا، وهو ما ينعكس إيجابياً على شركات الطيران، وقد تنتقل بعض آثاره إلى المسافرين عبر أسعار أكثر تنافسية".
وأكد أن "الأثر الاقتصادي لهذه الخطوة يمكن أن يمتد إلى التجارة والاستثمار، خصوصاً في مجال الشحن الجوي ونقل البضائع ذات القيمة المرتفعة أو التي تتطلب سرعة في التسليم"، مشدداً على أن "هذه المكاسب لا تتحقق تلقائياً بمجرد فتح المجال الجوي، بل تتطلب تحسين بيئة الأعمال، وتوفير بنية تحتية مناسبة، إلى جانب الاستقرار المؤسسي والأمني".
وفي تقديره، يمثل القرار نقطة تحول مهمة وفرصة استراتيجية أمام ليبيا، لكنه لا يعني بمفرده تحقيق تعافٍ كامل لقطاع الطيران، موضحاً أن تحويل هذه الفرصة إلى تعافٍ حقيقي ومستدام يتطلب التركيز على عدد من المحاور الأساسية. وختم الغويل: "هذه المحاور تشمل تطوير البنية التحتية من خلال تحديث أنظمة الرادار والمراقبة الجوية والاتصالات والمطارات ومرافق الملاحة، إلى جانب الإصلاح المؤسسي وتعزيز استقلالية وكفاءة سلطة الطيران المدني، وتوحيد الإجراءات والاختصاصات".





