وقد عكست الإحاطة حجم التحديات التي تواجه البعثة الأممية في دفع العملية السياسية إلى الأمام في ظل انقسام مؤسسي مستمر وتعدد مراكز النفوذ وغياب أدوات إلزام حقيقية تضمن تنفيذ أي تفاهمات محتملة.
وفي هذا السياق، قال المترشح لرئاسة الحكومة القادمة الدكتور سلامة الغويل، في تصريح لوكالة "سبوتنيك"، إن إحاطة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه تعكس إدراكاً دقيقاً لحجم التعقيدات التي تواجه العملية السياسية في ليبيا، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحديات هيكلية أعمق من مجرد تأخير تنفيذي.
وأضاف أن المشكلة الرئيسية لم تعد في غياب المبادرات أو الحوارات، بل في غياب الإرادة السياسية لدى الفاعلين الرئيسيين داخل مجلسي النواب والدولة الذين حولوا الخلافات الإجرائية إلى أداة للحفاظ على مصالحهم الشخصية ومواقعهم في السلطة.
وتابع الغويل أن الحوار المهيكل الذي أطلق أخيرا يعد إنجازاً شكلياً مهماً، لكنه يبقى محدود الأثر ما لم يقترن بآليات ضغط حقيقية على مراكز القرار التقليدية، مؤكداً أن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن توسيع دائرة الحوار لا يكسر احتكار الموارد والشرعية السياسية ولا يحقق الانتقال الديمقراطي الفعلي ما لم يكن هناك ربط صارم بين الدعم الدولي والالتزام بتنفيذ خارطة الطريق في مواعيد محددة.
وأشار إلى أن الجانب المالي والأمني لا يقل خطورة، حيث إن استمرار الانقسام المالي يعرقل الخدمات ويقوض الثقة العامة، فيما يبقى الوضع الأمني هشاً مع اندلاع اشتباكات متفرقة وحالات تهدد استقرار العاصمة والمناطق الجنوبية، وأن انتهاكات حقوق الإنسان المتكررة، بما في ذلك العنف ضد النساء والمهاجرين والاحتجاز التعسفي، لا تزال تشكل عائقاً رئيسياً أمام أي انتخابات حقيقية وآمنة.
وعلى الصعيد الخارجي، اعتبر الغويل أن الإحاطة لم تسلط الضوء بشكل كاف على الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة الليبية، حيث تستثمر بعض الدول في الانقسامات الداخلية، فيما تساير بعض القيادات المحلية مصالح الخارج مقابل البقاء في السلطة، الأمر الذي يضاعف هشاشة الدولة ويؤخر أي تقدم سياسي.
وخلص إلى أن ليبيا ليست بحاجة إلى حوارات إضافية أو وثائق جديدة، بل إلى إرادة سياسية حقيقية ومحاسبة للمعرقلين وربط الدعم الدولي بإنجازات ملموسة على الأرض، مؤكداً على أن أي تقدم فعلي يبقى مرهوناً باستعادة السيادة الوطنية وقطع ارتباط النخب السياسية بالضغوط الخارجية وتحويل الحوار المهيكل من منصة استشارية إلى أداة ضغط للتنفيذ.
وفي سياق متصل، قال الباحث السياسي إبراهيم بلقاسم، في تصريح لوكالة "سبوتنيك"، إن الكثير من الليبيين يرون أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تعاني من حالة فشل أو أنها عالقة في منتصف الطريق بسبب ضعفها التقني في التعامل مع الأزمة الليبية بشكل مناسب.
وأوضح أن هذا الوضع يعود في جوهره إلى ديالكتيكية الصراع السياسي القائم بين مشروعين متناقضين، يتمثل الأول في مشروع المجتمع الدولي الذي يطرح إنهاء المراحل الانتقالية عبر سلطة واحدة ذات شرعية متفق عليها، أما المشروع الثاني فهو مشروع بلا حل تقوده نخب سياسية ليبية تعمل على استمرار الواقع القائم لأنها تستفيد منه.
وأشار بلقاسم إلى أن المبعوثة الأممية بدأت فعلياً في إحاطاتها الأخيرة الإشارة إلى جلسات الحوار المهيكل، وهي خطوة مهمة بحد ذاتها، رغم أن هذا الحوار يسعى إلى تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية وأمنية عبر أربعة مسارات رئيسية هي المسار الأمني والاقتصادي والسياسي ومسار المصالحة.
وأكد أن هذه الطروحات شملت ملفات توحيد الجيش والإصلاح الأمني وإنهاء المرحلة الانتقالية والذهاب إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية إلى جانب تفكيك المجموعات المسلحة والإصلاح المؤسسي وتنفيذ إصلاحات اقتصادية وبناء عقد اجتماعي يعزز المصالحة الوطنية.
وأوضح أن هذه الملفات ستطرح أيضاً ضمن مشروع الدمج الأمني وتفعيل مؤسسات الانضباط داخل الجيش والشرطة، مشيراً إلى أن البعثة قدمت وستقدم اطروحات متعددة ضمن المسارات الأربعة للحوار المهيكل.
وطرح بلقاسم تساؤلاً حول ما بعد التوصل إلى توصيات حقيقية عقب انتهاء مسار الحوار المهيكل خلال فترة تتراوح بين أربعة وستة أشهر، وهي المهلة التي منحتها البعثة لنفسها للخروج بنتائج ملموسة.
وتساءل عن كيفية إلزام الأطراف الوطنية والمحلية وكذلك الأطراف الدولية الداعمة بتنفيذ هذه المخرجات، خاصة في ظل تفكك الموقف الدولي تجاه القضية الليبية التي باتت تصنف كملف ثانوي مقارنة بملفات إقليمية أخرى.
ورأى أن فكرة الحل السياسي التوافقي تبدو جذابة من حيث الشكل، لكنها تفتقر إلى أدوات تنفيذ حقيقية وتصطدم بواقع ليبي معقد، خصوصاً مع وجود مسارين متوازيين هما مسار الحوار المهيكل ومسار مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
وأكد أن المجتمع الدولي والبعثة الأممية يعملان في بيئة سياسية تفتقد الثقة نتيجة تجارب حوار سابقة تحولت من رعاية الحل إلى إدارة الأزمة، مع وجود أطراف لا ترى أن أي حل سياسي يخدم مصالحها وستعمل على إفشاله.
ولفت إلى أن بعض النخب السياسية تعتبر أن إحاطات تيتيه الأخيرة لم تقدم جديداً يذكر، وأنها جاءت في إطار موجز إخباري أكثر من كونها مسارات سياسية قادرة على تحقيق اختراق فعلي.
وأشار إلى محاولات خلق مسارات موازية لمسار البعثة، من بينها ما جرى في باريس دون تحقيق نتائج ملموسة بسبب اتساع فجوة الخلاف وانعدام الثقة، وإلى وجود مسارات أخرى تروج لها أطراف دولية، من بينها مقترحات أمريكية تتعلق بالتكامل الأمني والإصلاح الاقتصادي وفتح المجال أمام الاستثمارات إلى جانب طرح دمج الحكومات كبديل عن حوار سياسي شامل.
وخلص بلقاسم إلى أن موازين القوى في ليبيا لا تتماشى مع مسار واحد، وأن البعثة الأممية تعول على أدوات ناعمة قد لا تكون واقعية بما يكفي. ورغم أن إحاطات تيتيه طرحت تصوراً عاماً للمسار، إلا أنه يظل بحاجة إلى ترجمة فعلية على الأرض في ظل غياب أدوات إلزام حقيقية.
في المحصلة، تكشف إحاطة هانا تيتيه الأخيرة أن الأزمة الليبية ما تزال تراوح مكانها بين مقاربات أممية تفتقر إلى الضغط وواقع سياسي داخلي يفتقد الإرادة الجادة للتغيير.
فالحوار المهيكل، مهما اتسعت مساراته، يظل مهدداً بفقدان جدواه إذا لم يقترن بضمانات تنفيذ واضحة والتزامات دولية حقيقية تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.
وتعاني ليبيا من نزاع بين حكومتين، واحدة منحها البرلمان المنعقد في طبرق، أقصى شرق البلاد، ثقته، والثانية حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن اتفاقات سياسية رعتها الأمم المتحدة، ويترأسها عبد الحميد الدبيبة، الذي يرفض تسليم السلطة، إلا عبر انتخابات.