خلاف بين مجلسي النواب والأعلى للدولة... صراع صلاحيات يعمق الانقسام في ليبيا

في ظل مرحلة سياسية معقّدة تعيشها ليبيا يتجدّد الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول الصلاحيات الدستورية ومسار الاستحقاقات السياسية في وقت تتزايد فيه حاجة الليبيين إلى توافق مؤسساتي يُنهي حالة الانقسام ويعيد الاستقرار.
Sputnik
صراع يتجاوز حدود التباين القانوني ليعكس عمق الأزمة السياسية ويطرح تساؤلات ملحّة حول قدرة الأجسام التشريعية على تجاوز خلافاتها وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
مصر تعلن الإفراج عن المئات من رعاياها في سجون ليبيا خلال الفترة المقبلة

وفي هذا السياق ذكر عضو مجلس النواب الصادق الكحيلي في حديث خاص لوكالة "سبوتنيك"، أن الأساس الدستوري والقانوني الذي يستند إليه مجلس النواب في قراراته الأخيرة يتمثل في كونه الجهة التشريعية الوحيدة والمخوّلة بإصدار القوانين والقرارات كما نصّ على ذلك الإعلان الدستوري وما جاء به الاتفاق السياسي.

وأوضح الكحيلي أنه ليس لأي جهة أخرى تنفيذية أو قضائية ممارسة مثل هذه الاختصاصات، وأن اختصاص الجهات الأخرى يقتصر على تنفيذ ما يصدر عن مجلس النواب من تشريعات وقوانين وأحياناً قرارات تتطلب إصدارها.
إحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا.. ما حجم التحديات الهيكلية التي تعيق تقدم العملية السياسية؟
وفيما يتعلق بشكلية وطريقة إصدار القوانين داخل المجلس، أوضح أنها تتم وفق ما تنص عليه اللائحة الداخلية لمجلس النواب حيث تكون إما عبر خطاب أو طلب من عشرة نواب، أو بناءً على طلب من جهة معيّنة للحصول على هذه القوانين أو القرارات أو تعديلها بالطريقة التي يراها المجلس مناسبة، شريطة ألا تتعارض مع التشريعات والنصوص العامة مع توضيح الأسباب الشارحة للطلب القانوني أو القرار أو لتعديله.

وأضاف الكحيلي أنه في ما يخص ضرورة أخذ الاستشارة من المجلس الأعلى للدولة فإن المجلس الأعلى للدولة يُعد مجلساً استشارياً للحكومة فقط فيما يُحال إليه من الحكومة من مشاريع قوانين، وله أن يدرسها ويقرّها ثم يحيلها إلى مجلس النواب أو يعيدها إلى الحكومة في حال عدم القناعة بها.

وبعد إحالتها إلى مجلس النواب يعمل المجلس على إصدارها كما هي أو تعديلها بما يراه مناسباً.
وأشار إلى أن ما يُتداول داخل المجلس الأعلى للدولة من أن مجلس النواب يجب أن يستشير مجلس الدولة في هذا الشأن غير صحيح.

وأوضح أن العلاقة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حسب الاتفاق السياسي الذي أُنشئ بموجبه هذا الجسم الاستشاري وحسب ما تنص عليه المادة المحددة، لذلك تقتصر فقط على تسمية شاغلي المناصب السيادية وتقتصر على رؤساء الهيئات دون الوكلاء وتشمل هذه المناصب رئيس هيئة الرقابة الإدارية ورئيس ديوان المحاسبة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي وهيئة مكافحة الفساد وغيرها.

وأضاف أن بعض أعضاء المجلس الأعلى للدولة يرون أنهم يشاركون مجلس النواب في جميع اختصاصاته وكأنهم غرفة تشريعية موازية وهو أمر غير جائز.
ليبيا بين الجمود السياسي والتدخلات الخارجية... حوارات بلا نتائج وأزمة بلا أفق
أما في ما يتعلق بالقول إن الخطوات التي يتخذها مجلس النواب تعمّق الانقسام السياسي ولا تسهم في حل الأزمة فأكد الكحيلي أن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، خاصة إذا كانت هناك رغبة حقيقية لدى أعضاء المجلس الأعلى للدولة في المشاركة بحل الإشكالات القائمة، ومثال على ذلك ما تم الاتفاق عليه بين المجلسين بتشكيل لجنة (6+6) وبرعاية وموافقة البعثة الأممية حيث تم من خلالها إصدار القوانين الانتخابية واعتمادها من المجلسين.
وأوضح أنه وبمجرد تغيير رئاسة المجلس الأعلى للدولة تم التوجّه لإلغاء الإجراءات الشكلية الصادرة عن الرئاسة السابقة بغرض تعديل القوانين الصادرة عن اللجنة حسب رغبة جهات أخرى معيّنة.
متابعا "وكانت آخر خطوة اتخذتها رئاسة مجلس الدولة إعادة تسمية أعضاء لجنة ستة زائد ستة لإعادة دراسة وتعديل القوانين الانتخابية، إضافة إلى التصريح في عدة مناسبات بأمور لا تسهم في تشجيع الوصول إلى مرحلة العمل الانتخابي، بل تسهم في تعطيله وتفاقم الأزمة بهدف البقاء في السلطة".
الهجرة غير النظامية في ليبيا.. بين الضغوط الدولية والواقع المحلي المعقد.. صور
ونوّه الكحيلي إلى أن مجلس النواب قام بدوره وواجباته التي تؤدي إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وكان آخرها إصدار قرار باستكمال مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتخصيص ميزانية لتنفيذ العملية الانتخابية حسب طلب المفوضية وهو القرار الذي تم الاعتراض عليه من قبل المجلس الأعلى للدولة.

وفي المقابل قال عضو المجلس الأعلى للدولة فتح الله السريري في تصريح لوكالة "سبوتنيك"، إن الاتفاق السياسي الليبي يُعد الوثيقة الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية مؤكداً أن أحكام المحكمة العليا الدائرة الدستورية رسّخت هذا المبدأ.

وأضاف السريري أن الاتفاق السياسي يمثّل شهادة ميلاد للأجسام الحالية وهي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي والحكومة حيث حدّد اختصاصات كل منها بشكل واضح لا لبس فيه.
السلاح خارج الدولة وتأثيره على الأمن في ليبيا
وأوضح أن المجلس الأعلى للدولة مُنح اختصاصاً تشريعياً مشتركاً مع مجلس النواب على مختلف المستويات التشريعية بدءاً من النص الدستوري وذلك استناداً إلى المادة الثانية عشرة من الأحكام الإضافية التي تنص على أن أي تعديل يمس الاتفاق السياسي أو المؤسسات المنبثقة عنه بصورة مباشرة أو غير مباشرة يستوجب التوافق الكامل والنهائي مع مجلس الدولة وإصدار النص الدستوري المتفق عليه دون إضافة أو حذف.

وأشار السريري إلى أنه فيما يتعلق بالقوانين الأساسية وعلى رأسها قوانين الاستفتاء والانتخابات فقد نص التعديل الدستوري الثالث عشر على تشكيل لجنة مشتركة (6+6) إضافة إلى ضرورة التوافق بين المجلسين بشأن تسمية المناصب السيادية، مثل محافظ مصرف ليبيا المركزي والنائب العام ورئيس المحكمة العليا ورئيس ديوان المحاسبة وكذلك إجراءات سحب الثقة من الحكومة.

وأكد أن النصوص الدستورية تُقر بأن المجلس الأعلى للدولة يُعد غرفة تشريعية ثانية وأن أي إجراء يخالف هذا الإطار يترتب عليه عدم دستوريته.
اختلالات نقدية وأزمة ثقة.. لماذا تتفاقم الأزمة الاقتصادية في ليبيا؟
ولفت السريري إلى أن المجلسين سبق أن توافقا على قانون الاستفتاء على مشروع الدستور عام ألفين وتسعة عشر وتم تسليمه رسمياً إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلا أن التنفيذ لم يتم مشيرا إلى وجود توافقات سابقة بشأن القوانين الانتخابية التشريعية والرئاسية إضافة إلى تعيين رئيس المحكمة العليا والنائب العام.

وختم السريري بالقول إن بعض الأطراف وعلى رأسها البعثة الأممية ومن يقف خلفها تعرقل أي توافق بين المجلسين بذريعة حجج واهية وتصويرهما كشركاء متشاكسين في الوطن، ورغم ذلك شدد على أن المجلسين لا يدّخران جهداً في السعي إلى إنجاز توافق سياسي يُنهي المرحلة الانتقالية عبر إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية يقرر من خلالها الشعب الليبي مصيره ويختار قياداته التنفيذية والتشريعية.

وتعاني ليبيا من نزاع بين حكومتين، واحدة منحها البرلمان المنعقد في طبرق، أقصى شرق البلاد، ثقته، والثانية حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن اتفاقات سياسية رعتها الأمم المتحدة، ويترأسها عبد الحميد الدبيبة، الذي يرفض تسليم السلطة، إلا عبر انتخابات.
مناقشة