ففي الثالث من يناير (كانون الثاني)، استيقظ العالم على حدث غير مسبوق في العلاقات الدولية المعاصرة، تمثل في إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهما بتهم مزعومة تصفها واشنطن بأنها مرتبطة بالمخدرات والإرهاب.
هذا التطور، بغض النظر عن المبررات التي تسوقها الإدارة الأمريكية، يعكس بوضوح طبيعة السلوك الأمريكي تجاه الدول التي ترفض الانضواء تحت المظلة السياسية والاقتصادية الغربية، وتصرّ على انتهاج مسارات مستقلة في سياستها الخارجية وتحالفاتها الدولية. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بإجراءات قانونية أو أمنية، بل تمس جوهر مبدأ سيادة الدول، وهو أحد الركائز الأساسية للنظام الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة.
قبل 3 أعوام أشعلت روسيا شرارة القضاء على العالم أحادي القطب، وأكدت رفضها القاطع لمحاولة الناتو الاقتراب من حدودها، وهو ما نجحت فيه عبر العملية العسكرية الخاصة في دونباس. ورغم الجدل الواسع الذي أثارته تلك الخطوة الاستباقية من موسكو، فإنها عبّرت بوضوح عن إدراك مبكر لما وصفته بالخطر البنيوي الذي يشكله النظام الدولي القائم، سواء عبر الحصار العسكري المتمثل في توسع الناتو، أو عبر الهيمنة الاقتصادية والمالية التي يفرضها الدولار واليورو على الاقتصاد العالمي.
لم يقتصر التحرك الروسي على البعد العسكري فحسب، بل امتد إلى مسار سياسي واقتصادي أوسع، تمثل في الدفع نحو تكتلات بديلة، وفي مقدمتها مجموعة "بريكس"، التي تسعى إلى إعادة التوازن للنظام الدولي، وتقليص الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية، وبناء آليات تعاون تقوم على تعددية الأقطاب لا على الإملاء والوصاية.
في هذا السياق، تُعد فنزويلا نموذجًا لدولة أدركت مبكرًا مخاطر استمرار هيمنة القطب الواحد، ورفضت منذ عقود الخضوع للإرادة الأمريكية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.
ومن هنا، يمكن قراءة التحرك الأمريكي في كاراكاس باعتباره رسالة سياسية تتجاوز حدود فنزويلا، وتهدف إلى ردع أي دولة تفكر في الخروج عن النسق الذي رسمته واشنطن للنظام الدولي.
فالقضية، وفق هذا المنظور، لا تتعلق بالنفط أو الموارد وحدها، بل بمحاولة الحفاظ على الوضع القائم، ومنع تشكل بدائل حقيقية للنفوذ الأمريكي.
إن احتجاز مادورو في عهد ترامب، وقبله الدعم العسكري غير المحدود من سلفه بايدن لنظام كييف، يندرجان ضمن سياسة واحدة تقوم على استخدام القوة، أو التهديد بها، وهي محاولة بائسة لبث الرعب في العالم للرضوخ للرؤية الأمريكية والليبرالية التي لا تمثل سوى "عنصرية عالمية" ترتكز على فرض قيم غربية يسوقونها على أنها كونية رغم أنها تتنصل من ثقافات الدول المستقلة وانتماءاتها الدينية والإثنية، كما يؤكد المفكر الروسي الكبير، إلكسندر دوغين.
المقال يعبر عن رأي كاتبه.