تقرير: تعاون إسرائيلي بريطاني يفرغ قرارات المحكمة الجنائية الدولية من مضمونها

كشف وثائق مسربة نشرتها صحيفة بريطانية عن حقيقة محرجة لمنظومة المحكمة الجنائية الدولية، فبينما تصدر المحكمة مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، تنجح تل أبيب عمليًا في تفادي المساءلة عبر شبكة علاقات سياسية ودبلوماسية مع حلفائها الغربيين، وفي مقدمتهم بريطانيا.
Sputnik
وأوضحت صحيفة "ديكلاسيفايد يو كيه"، المتخصصة في تتبع أنشطة المؤسسات العسكرية والاستخبارية، أن هذه التسريبات تأتي في توقيت بالغ الدلالة، تزامنًا مع صدور مذكرة اعتقال عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم حرب في غزة، مذكرة أُضيفت عمليًا إلى أرشيف المحكمة الزاخر بالقرارات التي لا تُقلق أحدًا.

وتستعيد الصحيفة حادثة تعود إلى 11 سبتمبر/ أيلول 2005، حين كان الجنرال الإسرائيلي المتقاعد دورون ألموج، على وشك دخول الأراضي البريطانية، قبل أن يُنبهه مسؤول من السفارة الإسرائيلية، وهو لا يزال على متن الطائرة في مطار هيثرو، بوجود مذكرة اعتقال صادرة بحقه، بينما كانت الشرطة البريطانية بانتظاره عند بوابة شرطة الهجرة.

خبير في القانون الدولي: المحكمة الجنائية الدولية على حافة الانهيار وفجوة الثقة تهدد وجودها
وتشير الصحيفة إلى أن "ألموج اختار البقاء في مقعده ساعتين، ثم العودة من حيث أتى، في مشهد بدا أقرب إلى إجراء شكلي أكثر منه تطبيقًا للقانون".

ورغم وجود الشرطة، قررت السلطات البريطانية عدم اقتحام الطائرة خشية حدوث اشتباك مسلح، لتسجل الحادثة، بحسب الصحيفة، كـ"أول محاولة فعلية لاعتقال مسؤول إسرائيلي في بريطانيا على خلفية جرائم بحق الفلسطينيين، وهي محاولة كانت كافية لإحداث حالة ذعر داخل الكنيست".

ووفقا للصحيفة، ومنذ ذلك التاريخ، لم تترك الحكومة الإسرائيلية شيئًا للصدفة، فأطلقت حملة ضغط مكثفة على لندن لتفريغ مبدأ "الولاية القضائية العالمية" من مضمونه، وهو المبدأ الذي يفترض نظريا ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية أينما كانوا، كما حدث في محاكمات نورمبرغ، قبل أن يتحول لاحقًا إلى عبء سياسي يجب ضبطه.
لماذا 2025 كان عاما سيئا على المحكمة الجنائية الدولية؟
وكشفت مراسلات إلكترونية ومذكرات داخلية، سُرّبت إثر اختراق لوزارة العدل الإسرائيلية، أن "الهدف الصريح للحملة كان ضمان قدرة المسؤولين الإسرائيليين على زيارة بريطانيا دون أي إزعاج قانوني، حتى لو كانت أسماؤهم مرتبطة بانتهاكات جسيمة ضد الفلسطينيين"، بحسب صحيفة "ديكلاسيفايد يو كيه".

وبالفعل، ووفقا للصحيفة، وجدت المطالب الإسرائيلية طريقها إلى التشريع البريطاني. ففي عام 2011، أقرّت حكومة ديفيد كاميرون، تعديلًا قانونيًا يشترط موافقة مدير النيابات العامة قبل إصدار أي مذكرة اعتقال بموجب الولاية القضائية العالمية، وهو الشرط الذي طالبت به إسرائيل حرفيًا.

وصرح وزير الخارجية البريطاني حينها ويليام هيغ، بأن بلاده لا يمكن أن تسمح بوضع "يشعر فيه السياسيون الإسرائيليون بأنهم غير قادرين على زيارة المملكة المتحدة"، وكأن "المشكلة كانت في مشاعر الزوار لا في حقوق الضحايا"، وفق تعبير الصحيفة.
"فضيحة" كريم خان تضع المحكمة الجنائية الدولية أمام معركة مصيرية
وأشارت الصحيفة إلى أنه ورغم هذه الضمانات، استمرت المخاوف الإسرائيلية، ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2011، واجهت وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني، طلب اعتقال خلال زيارتها لبريطانيا. وتشير وثائق إسرائيلية إلى أن مدير النيابات العامة آنذاك كير ستارمر، كان يدرس الطلب بجدية، قبل أن يُمنح الوقت الكافي لوزارة الخارجية البريطانية لتدارك الموقف عبر تصنيف زيارة ليفني كـ"مهمة خاصة"، ما وفر لها حصانة دبلوماسية مؤقتة، وأنقذها من حرج العدالة.
وتواصلت المشاورات خلف الأبواب المغلقة حتى عام 2016 عبر ما سمي "الحوار البريطاني-الإسرائيلي بشأن الولاية القضائية العالمية"، مع تعليمات صريحة بعدم إخضاع تلك اللقاءات لقانون حرية المعلومات. وفي مراسلات سرية لاحقة، حرصت وزارة العدل البريطانية على طمأنة الجانب الإسرائيلي بأن شرط موافقة مدير النيابات العامة أثبت فعاليته، إذ لم تُصدر أي مذكرة اعتقال بحق أي شخص منذ إقراره، بمن فيهم الزوار الإسرائيليون.
خبير: التسييس وعدم العدالة في "الجنائية الدولية" يؤكدان أزمة النظام الدولي

وفي تعليقها على الأزمة، قالت هدى عموري، المؤسسة المشاركة لمنظمة "فلسطين أكشن"، إنه "أمر حقير وإهانة لديمقراطيتنا أن تمتلك الحكومة الإسرائيلية القدرة على الضغط على حكومتنا لتغيير القوانين لصالحها، ومنع محاكمتهم على جرائم الحرب"، مضيفة: "نظامنا في هذا البلد يعمل بما يُفضل متهمين بارتكاب جرائم حرب على حقوق مواطنيه الذين يحاولون وقف وقوع تلك الجرائم".

وفي ضوء هذه الوقائع، تبدو مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية اليوم أقرب إلى بيانات أخلاقية متأخرة، تُصدر بحرص بالغ على اللغة، وبحرص أكبر على ألا تُترجم إلى أفعال، في نظام دولي يتقن إدارة العدالة بوصفها فكرة… لا ممارسة.
مناقشة