تمويل أوروبي لتونس.. هل هي خطوة لدعم الانتقال الطاقي أم بوابة نحو التبعية؟
مريم جمال
مراسلة "سبوتنيك" في تونس
أثارت الخطوة التي أقدم عليها الاتحاد الأوروبي، والمتمثلة في دعم الانتقال الطاقي في تونس بمنحة تقدر بـ35.8 مليون يورو، جملة من التساؤلات في الأوساط الاقتصادية التونسية، لا سيما بشأن مدى قدرة هذه المبادرة على تسريع مسار الانتقال الطاقي، وتعزيز الاستقلالية الطاقية للبلاد، أو ما إذا كان سيؤدي في المقابل إلى تعميق تبعيتها للشركاء الأوروبيين.
Sputnikوكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن عن تخصيص منحة مالية لتونس بقيمة 35.8 مليون يورو، في إطار مبادرة "البوابة العالمية" (Global Gateway)، على أن توجّه هذه التمويلات إلى تطوير مشاريع الطاقات المتجددة وتحديث البنية التحتية للشبكة الكهربائية في البلاد.
وجاء في بيان للاتحاد الأوروبي، حصّلت "سبوتنيك" على نسخة منه، أن هذه المبادرة تندرج ضمن "مقاربة فريق أوروبا"، وبمشاركة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار، حيث يضع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء ومؤسساته المالية مواردهم وخبراتهم بشكل مشترك لمرافقة تونس نحو تحقيق استقلال طاقي أكبر ونمو مستدام.
وأوضح البيان، أن هذا الدعم يهدف أيضا إلى "تعزيز قدرة تونس على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية"، وذلك في انسجام مع الاستراتيجية الوطنية للطاقة، التي تسعى إلى بلوغ نسبة 35 % من الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة في أفق 2030–2035.
وأشار الاتحاد الأوروبي إلى أن هذه الاستثمارات ستوجه لدعم مشاريع كبرى في مجال الطاقة الشمسية، خاصة في محافظتي سيدي بوزيد (وسط البلاد) وقفصة (جنوب غربي البلاد)، بطاقة إجمالية تناهز 400 ميغاواط، بما من شأنه الإسهام في تعزيز الاستقلال الطاقي، ودفع النمو المستدام، إلى جانب استقطاب استثمارات عمومية وخاصة إضافية.
وبحسب الجانب الأوروبي، ستسهم هذه المنح في تحسين الجدوى المالية لمشاريع الطاقات المتجددة واسعة النطاق، ودعم الاستثمارات المتعلقة بربط الشبكات الكهربائية وتطوير البنية التحتية لنقل الكهرباء، بما يتيح تعبئة موارد تمويل إضافية من القطاعين العام والخاص في تونس وتسريع استقلال البلاد في مجال الطاقة، وتحفيز النمو المستدام، وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية".
تسريع الانتقال الطاقي
وفي حديثه لـ "سبوتنيك"، اعتبر الخبير في مجال الطاقة، غازي بن جميع، أن الدعم الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي لتونس من شأنه أن يعزز، بشكل ملموس، مسار الانتقال الطاقي، خاصة على مستوى مشاريع الطاقات المتجددة التي تشهد، وفق تقديره، تعثرا واضحا منذ سنوات.
وأوضح بن جميع أن "تونس تعاني من بطء كبير في إنتاج الطاقات المتجددة، وهو ما انعكس سلبا على مسار الانتقال الطاقي، وأثر بشكل مباشر في مستوى الاستقلالية الطاقية للبلاد، إضافة إلى الضغط المتزايد على ميزانية الدولة".
وأشار الخبير إلى أن العجز التجاري الطاقي يمثل نحو 50 % من إجمالي العجز التجاري، واصفا هذا الرقم بـ"المقلق"، ويستوجب، حسب رأيه، تكثيف الجهود من أجل تقليصه، عبر التسريع في إنجاز مشاريع الطاقات المتجددة وتعزيز إسهامها في المزيج الطاقي الوطني.
ورأى بن جميع أن وضعية الميزان الطاقي في تونس باتت "متدهورة"، مؤكدا أن البلاد وصلت إلى "منعرج خطير"، خاصة في ظل تراجع نسب الاستقلالية الطاقية، التي قدّرت، بحسبه، في حدود 35 ٪ خلال سنة 2025.
وفيما يتعلق بالتمويل الأوروبي المعلن عنه، أوضح الخبير في مجال الطاقة أن منحة 35.8 مليون يورو تندرج بالأساس ضمن إطار تحسين النجاعة الاقتصادية لمشاريع الطاقات المتجددة، والحد من المخاطر التي يتحملها المستثمرون الخواص، بما يسهّل نفاذهم إلى مصادر التمويل الضرورية.
وأضاف أن هذه الإسهامات تشمل، بالخصوص، تمويل البنية التحتية الأساسية لنقل الكهرباء، وربط محطات الإنتاج بالشبكة الوطنية، وهو ما يعد، وفق تقديره، عنصرا محوريا لتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى ودفع الاستثمار في هذا القطاع الاستراتيجي.
الدفع نحو تصدير الكهرباء نحو أوروبا
وفي السياق ذاته، أكد الخبير في الشأن الاقتصادي أمجد قلسي، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن الدعم الأوروبي الموجه لتونس في قطاع الطاقة يمثل خطوة إيجابية من شأنها الإسهام في تطوير عدد من الشركات التونسية الناشطة في هذا المجال، وتعزيز قدراتها التقنية والاستثمارية.
وأوضح قلسي، أن الاستثمار في الطاقات المتجددة من شأنه أن يمكن تونس من توفير طاقات إنتاجية إضافية، تتيح لها تصدير كميات هامة من الكهرباء نحو السوق الأوروبية، معتبرا أن هذا التوجه يمثل مكسبا إستراتيجيا مزدوجا. فمن جهة، يتيح لتونس تنويع مواردها الطاقية، وتعزيز أمنها الطاقي، وتحسين مداخيلها المالية، ومن جهة أخرى، يوفّر للاتحاد الأوروبي إمدادات من الكهرباء النظيفة، بما يدعم مسار الانتقال الطاقي الأوروبي.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن هذا الدعم الأوروبي يرتبط بشكل مباشر بمشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا "ELMED"، الذي من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة لتبادل الكهرباء بين تونس والاتحاد الأوروبي، سواء عبر عمليات التصدير أو الاستيراد، وفق حاجيات السوقين.
ورأى قلسي، أن هذه المبادرة قد تمهّد أيضا لإبرام جملة من الاتفاقيات المشتركة بين تونس والاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة خلال الفترة القادمة، بهدف الانخراط في مشاريع كبرى قادرة، حسب تقديره، على الإسهام في الحد من العجز الطاقي الذي تعاني منه البلاد، ودعم استقرار المنظومة الطاقية على المدى المتوسط والبعيد.
مخاوف من زيادة حجم التبعية للاتحاد الأوروبي
في المقابل، يرى الخبير المحاسب حاتم فتح الله، أن الدعم الأوروبي الموجه لتونس في مجال الطاقة يظل غير كاف لإحداث نقلة نوعية حقيقية في مسار الانتقال الطاقي، معتبرا أن حجم التمويلات المعلنة لا يرقى إلى مستوى التحديات التي يواجهها القطاع الطاقي في البلاد.
وأضاف فتح الله، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن "هذا الدعم جاء في سياق سياسي استثنائي، وفي ظل غياب نقاش عمومي جدي، أو تقييم مستقل للانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية المحتملة على تونس".
وأوضح أن هذه المبادرة "قد تفتح الباب أمام انتقال طاقي في تونس، ولكن بشروط أوروبية"، مشيرا إلى أن من أبرز هذه الشروط، وفق تقديره، "حصر استعمال التمويلات الأجنبية في تحسين النجاعة الطاقية داخل المؤسسات العمومية والصناعية، دون معالجة جذرية لإشكاليات السيادة الطاقية".
وتابع الخبير المحاسب محذرا من أن "الخطر الأكبر يتمثل في أن يؤدي هذا الدعم إلى مزيد تعميق التبعية للاتحاد الأوروبي، عبر حزمة من المساعدات المشروطة التي قد تحدّ من هامش القرار الوطني في هذا القطاع الحيوي".
وأشار فتح الله، إلى أن هذه التمويلات قد تكون مصحوبة بمخاوف إضافية، خاصة في ظل ربطها، بشكل غير مباشر، بتفاهمات أوسع تشمل ملفات حساسة، على غرار الهجرة وحماية الحدود، وهو ما سبق أن نبهت إليه منظمات حقوقية محلية ودولية.
وفي وقت يجمع فيه خبراء الاقتصاد في تونس على أن البلاد تمر بأزمة طاقية حادة، أعلنت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، في مطلع العام الجاري، عن إطلاق استراتيجية جديدة تهدف إلى حفر تسعة آبار إضافية، بالشراكة مع المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، وذلك في مسعى لرفع مستوى الإنتاج الطاقي في أفق سنة 2030.