قال المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، إن الدول الناجحة هي تلك التي تحترم العدالة وقوانينها، مؤكدًا ضرورة عدم الزج بالقضاء وأدوات العدالة في الصراع السياسي، لما لذلك من تداعيات خطيرة على استقرار الدولة وثقة المواطنين في مؤسساتها.
وتابع العبدلي في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن بداية الإشكال تعود إلى شهر ديسمبر/كانون الأول 2022، عندما أصدر مجلس النواب قانونًا يقضي بإنشاء محكمة دستورية عليا مستقلة يكون مقرها مدينة بنغازي.
وأشار إلى أن جوهر القضية لا يتعلق فقط بإنشاء محكمة دستورية، بل يكمن في أن أي قوانين أو قرارات يصدرها مجلس النواب يجب أن تحظى بموافقة المجلس الأعلى للدولة، وذلك استنادًا إلى الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات في ديسمبر 2015، وهو اتفاق مضمَّن في الإعلان الدستوري ويعد جزءًا من الإطار الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية.
واعتبر العبدلي أن القضاء قال كلمته عبر المحكمة العليا، إلا أن السياسة كان لها رأي آخر، حيث تجاوز مجلس النواب حكم الدائرة الدستورية القاضي بعدم دستورية إنشاء المحكمة الدستورية، وواصل خطوات تصعيدية تمثلت في تفعيل المحكمة التي أنشأها، والإعلان عن تسمية رئيس وأعضاء لها، في سابقة خطيرة تعني تجاهل حكم قضائي نهائي صادر عن أعلى جهة قضائية في البلاد.
من جهته، قال المحلل السياسي الليبي معتصم الشاعري، إن انقسام السلطة القضائية في ليبيا يعود بالأساس إلى صراع سياسي عميق بين شرق البلاد وغربها، ترجم إلى محاولات تشريعية تهدف للسيطرة على مؤسسات قضائية سيادية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا، إلى جانب التلويح بإنشاء محكمة دستورية موازية في مدينة بنغازي.
وأضاف الشاعري في تصريح خاص لـ"سبوتنيك"، أن هذا الانقسام ذو أبعاد سياسية بامتياز، ويأتي في سياق توظيف القضاء ضمن الصراع على الشرعية والانتخابات، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع يهدد شرعية الأحكام القضائية، ويقوّض ثقة المواطن في القضاء، الذي يُعد الملاذ الأخير لتحقيق العدالة.
وأشار الشاعري إلى أن غالبية المحاكم في مختلف المدن الليبية عبّرت، من خلال بيانات رسمية، عن رفضها لانقسام السلطة القضائية، مؤكدة أن العاملين في السلك القضائي يشكلون جسمًا واحدًا، ويطالبون بتحييد القضاء عن أي صراع سياسي، حفاظًا على نزاهته واستقلاله.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، حذر الشاعري من أن استمرار الانقسام القضائي سيؤدي إلى تكريس حالة الانقسام المؤسسي في ليبيا، ويصعّب الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
قال المحلل السياسي عبد الله الديباني، إن ليبيا لا تزال تزخر برجال قضاء قادرين على التكاتف واستعادة ثقة المواطن في هذه المؤسسة السيادية، مشددًا على ضرورة إبعاد السلطة القضائية عن أي تجاذبات أو صراعات سياسية.
وأكد في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن القضاة كانوا دائمًا في الموعد عند اللحظات المفصلية، وأن المطلوب اليوم هو موقف واضح وحاسم، لأن استمرار انقسام السلطة القضائية قد يقود البلاد إلى مسار بالغ الخطورة.
وأوضح أن الدائرة الدستورية ألغيت بموجب قانون إنشاء المحكمة الدستورية العليا، وهو تشريع نقل اختصاص الرقابة الدستورية إلى جهة قضائية مستقلة، معتبرًا أن استمرار الدائرة الملغاة في نظر الطعون وإصدار أحكام فاصلة يمثل مخالفة صريحة لمبدأ المشروعية واغتصابًا لاختصاص لم يعد قائمًا.
وأضاف الديباني أن الأحكام الصادرة لم تستهدف نصوصًا تشريعية بعينها، بل مسارًا تشريعيًا كاملًا لتنظيم السلطة القضائية، وفي توقيت سياسي شديد الحساسية، ما يجعلها أقرب إلى إعادة رسم المشهد القضائي بقرار قضائي، لا إلى ممارسة رقابة دستورية محايدة.
وبيّن أن القوانين المقضي بعدم دستوريتها طبقت لسنوات، واستقرت بموجبها أوضاع قانونية ومراكز وظيفية، وأن إلغاءها بأثر كاشف يفتح الباب أمام فوضى قانونية خطيرة، ويقوض الاستقرار القانوني بدلًا من حمايته.
مؤكدًا أن المشكلة الحقيقية لا تتعلق بالقوانين أو بالأحكام ذاتها، بل بانهيار قواعد الممارسة الدستورية، محذرًا من أن دفع القضاء ليكون ساحة مواجهة سياسية جديدة لن يخدم العدالة ولا الدستور، بل سيؤدي إلى تآكل الدولة من داخلها.