ومنحت الجولة حقوق الاستكشاف والتطوير لشركات عالمية كبرى وسط توقعات بارتفاع الإنتاج النفطي وتحقيق عائدات كبيرة.
وفي هذا السياق قال الخبير النفطي الدكتور خالد الكاديكي في تصريح لوكالة "سبوتنيك": إن ليبيا أطلقت أول جولة تراخيص نفطية منذ نحو 17–18 عامًا، منحت بموجبها حقوق استكشاف وتطوير النفط والغاز لعدد من الشركات العالمية الكبرى، من بينها Chevron وRepsol وEni، بالتعاون مع QatarEnergy، إضافة إلى اتفاقيات طويلة الأجل.
وأوضح أن هذه الخطوة تعبّر عن عودة فعلية للثقة الدولية في قطاع الطاقة الليبي بعد سنوات من التراجع بسبب الصراعات وإغلاق عدد من المشاريع الحيوية.
وأضاف الكاديكي أن من أهم خصائص المرحلة الحالية إطلاق تراخيص جديدة للتنقيب في حقول برية وبحرية، ودخول شركات عالمية تمتلك خبرات فنية ومالية متقدمة في صناعة النفط والغاز، فضلًا عن إبرام اتفاقيات طويلة الأمد، من بينها اتفاق لمدة 25 عامًا مع "TotalEnergies" و"ConocoPhillips"، بهدف رفع معدلات الإنتاج وتحقيق عائدات كبيرة.
وأكد أن الشركات العالمية تنظر إلى ليبيا باعتبارها فرصة استراتيجية طويلة الأجل، في ظل ما تمتلكه من احتياطيات كبيرة تُعد من الأكبر في أفريقيا، إلى جانب جودة النفط الليبي وسهولة إنتاجه نسبيًا مقارنة بمناطق أخرى.
وأشار الكاديكي إلى أن حاجة السوق العالمية للطاقة، خاصة بعد تقلّص الإنتاج في بعض المناطق وارتفاع الطلب العالمي، جعلت الاستثمار في الحقول الليبية مجديًا ماليًا على المدى الطويل، لافتًا إلى أن ليبيا طورت نماذج تعاقدية أكثر مرونة وجاذبية بعد سنوات من صيغ أقل تنافسية.
ولفت إلى أن حضور الشركات لا يقتصر على الإنتاج فقط، بل يشمل نقل التكنولوجيا وتوفير التمويل وإدارة المشاريع الكبرى، بما يسهم في تحديث القطاع وبناء قدرات الكوادر الوطنية، مبينًا أن بعض الاتفاقات تتضمن توسيع إنتاج الغاز الطبيعي وتسويقه إلى أوروبا عبر المتوسط، بما يتماشى مع جهود تنويع مصادر الطاقة.
وتوقع الكاديكي أن يشهد الإنتاج النفطي ارتفاعًا قد يصل إلى نحو مليوني برميل يوميًا خلال السنوات المقبلة إذا توفرت الاستثمارات والاستقرار اللازم، وأن الإيرادات يمكن أن تدعم الاقتصاد الوطني وتسهم في تحسين الخدمات والبنية التحتية.
وشدد الكاديكي في ختام حديثه على أن النفط والغاز سيظلان جزءًا أساسيًا من مزيج الطاقة العالمي حتى منتصف القرن تقريبًا، ما يمنح ليبيا فرصة للاستفادة من المرحلة الانتقالية في قطاع الطاقة.
في المقابل قال الخبير القانوني في مجال النفط والغاز الدكتور عثمان الحضيري في تصريح خاص لوكالة "سبوتنيك"، إن جولة العطاءات الأخيرة شهدت حضورًا محدودًا من الشركات الكبرى، سواء التقليدية أو تلك التي كانت المؤسسة الوطنية للنفط تعوّل على مشاركتها الفاعلة.
وأوضح أن التنافس اقتصر على خمس قطع فقط من أصل 22 قطعة مطروحة، ما يثير تساؤلات حول مستوى الثقة الفعلية في بيئة الاستثمار الليبية، وحول الأسباب التي أدت إلى ضعف الإقبال على بقية القطع، سواء كانت أسبابًا جيولوجية أو اقتصادية أو مرتبطة بعوامل سياسية وقانونية وأمنية.
وأضاف الحضيري أن شركات النفط العالمية تبني قراراتها الاستثمارية على مزيج معقد من الاعتبارات تشمل الاستقرار السياسي ووضوح الأطر التشريعية والبيئة الأمنية والشفافية المؤسسية، إلى جانب الجاذبية الجيولوجية والجدوى الاقتصادية.
وأكد أن سمعة المؤسسة دوليًا واستقرارها الإداري والقانوني عنصران حاسمان في طمأنة المستثمرين، مشيرًا إلى أن أي انطباع بغياب الاستقرار أو تضارب القرارات قد ينعكس سلبًا على شهية الشركات مهما كانت الإمكانات الجيولوجية واعدة.
وأضاف الحضيري أن تقييم جولة العطاءات يجب أن يكون موضوعيًا وشفافًا بعيدًا عن الطابع الدفاعي أو الانفعالي، موضحًا أن معيار النجاح لا يتمثل فقط في عدد القطع التي تم التنافس عليها، بل في مدى قدرتها على تعزيز الثقة الدولية بقطاع النفط الليبي وتنشيط الاستكشاف وزيادة الاحتياطيات المؤكدة، مشيرًا إلى أن الموارد الطبيعية وحدها لا تكفي، فالثقة والسمعة والمصداقية المؤسسية تمثل رأس المال الحقيقي في صناعة النفط.
وحذر الحضيري في ختام تصريحه من أن غياب بيئة مستقرة تحترم تعهداتها قد يُبقي الإمكانات الكبيرة حبيسة الأرض، خاصة في ظل ما وصفه بشبهات الفساد التي تنخر القطاع.يبقى نجاح قدرة ليبيا على توفير بيئة استثمارية مستقرة تحترم التزاماتها وتضمن استدامة المشاريع النفطية، فالاحتياطيات الكبيرة وحدها لا تكفي، بل يتطلب الأمر تعزيز الثقة الدولية وتحسين السمعة المؤسسية وتوفير الأطر القانونية والأمنية المناسبة، لضمان أن تتحول الإمكانات الهائلة للطاقة في ليبيا إلى فرص اقتصادية ملموسة ومستدامة على المدى الطويل.