محللون لـ"سبوتنيك": زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر تحضر لعودة الدفء إلى العلاقات المتوترة

شهدت العاصمة الجزائرية، الجزائر، زيارة رسمية لوزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، يومي 16 و17 فبراير/شباط الجاري، في خطوة وصفت بأنها اختبار حقيقي لمدى قدرة الجزائر وباريس على تجاوز مرحلة من التوتر السياسي والدبلوماسي التي خيّمت على العلاقات الثنائية خلال العامين الماضيين.
Sputnik
سياق متوتر وعلاقات معقدة
تأتي الزيارة في ظل برود غير مسبوق في العلاقات بين البلدين، على خلفية ملفات سياسية وأمنية متعددة، أبرزها الخلاف حول قضايا إقليمية، وملف الهجرة، وتجميد بعض أوجه التعاون الأمني، كما زادت بعض التصريحات السياسية والقرارات الدبلوماسية المتبادلة من تعقيد المشهد، ما جعل من الزيارة محطة مفصلية لقياس النوايا وإعادة ترتيب الأولويات.
الجزائر تستدعي القائم بأعمال سفارة فرنسا بسبب فيلم وثائقي
ويرى مراقبون أن اختيار وزير الداخلية تحديدًا لقيادة هذه الخطوة يعكس تركيز باريس على المقاربة الأمنية والعملية، بعيدًا عن الملفات التاريخية والسياسية الأكثر حساسية.
أهداف الزيارة: الأمن والهجرة في الواجهة
تركزت مباحثات الوزير الفرنسي مع المسؤولين الجزائريين من بينهم وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل سعيد سعيود، على ثلاثة محاور رئيسية هي إعادة تفعيل التعاون الأمني رفيع المستوى، حيث اتفق الطرفان على استئناف التنسيق بين الأجهزة الأمنية، خصوصًا في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتبادل المعلومات الاستخبارية، مع تعزيز التعاون الشرطي والقضائي بما يشمل تسهيل الإنابات القضائية وتطوير آليات العمل المشترك في القضايا العابرة للحدود.
نائب جزائري لـ"سبوتنيك": قانون تجريم الاستعمار رد على محاولات فرنسا للتدخل في شؤوننا الداخلية
كما تم التركيز على ملف الهجرة وقرارات الإبعاد، وهو من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية، إذ تسعى باريس إلى تسريع إجراءات إعادة المهاجرين غير النظاميين، في حين تؤكد الجزائر على ضرورة احترام الأطر القانونية والاتفاقيات الثنائية.
مخرجات عملية ورسائل سياسية
أثمرت الزيارة عن إعلان مشترك يقضي بإطلاق آلية تعاون أمني "رفيع المستوى"، مع الاتفاق على الشروع في تنفيذ التفاهمات في أقرب الآجال.
كما عكست اللقاءات الرسمية، التي شملت مسؤولين حكوميين جزائريين رفيعي المستوى، وجود إرادة سياسية لخفض منسوب التوتر وفتح قنوات اتصال أكثر انتظامًا.
ورغم أن الزيارة لم تعالج جميع الملفات العالقة، فإنها حملت إشارات إيجابية توحي بمرحلة جديدة قوامها البراغماتية والتعاون العملي، بعيدًا عن التصعيد الإعلامي والدبلوماسي الذي طبع المرحلة السابقة.
مستقبل العلاقات بين الجزائر وفرنسا بعد تمرير البرلمان الجزائري قانون تجريم الاستعمار.. صور
وتعكس زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر توجهًا نحو إعادة تفعيل قنوات التعاون الأمني واحتواء التوترات السياسية، ورغم أن الطريق ما يزال طويلًا أمام تطبيع كامل للعلاقات، فإن المخرجات المعلنة تمثل خطوة أولى في مسار قد يعيد الدفء تدريجيًا إلى علاقة استراتيجية بين بلدين تجمعهما روابط تاريخية وجغرافية وإنسانية عميقة.
محلل سياسي لـ"سبوتنيك": الجزائر قوية بحلفائها التقليديين وأبرزهم روسيا.
قال المحلل السياسي موسى بودهان لـ"سبوتنيك"، إن الزيارة التي يقوم بها وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر تأتي في إطار حل بعض المسائل العالقة وإصلاح ما تسبب فيه وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو من أخطاء فادحة واستفزازات للجانب الجزائري، وهذه الزيارة ليست زيارة دولة، ولا يمكن أن ننسبها إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو وزير العدل، فهي زيارة يقوم بها وزير الداخلية لمعالجة بعض القضايا ذات الطابع الأمني وقضية المهاجرين في الطليعة، وتأتي أيضًا في إطار تنفيذ قرارات صادرة عن جهات فرنسية.
وهذا الأمر، يضيف المتحدث، لا ينحصر في اختصاص وزير الداخلية فقط، حيث نذكر أن الأمر يتعلق بالذاكرة والأرشيف واسترجاع جماجم الشهداء وبتنفيذ الالتزامات بين البلدين بموجب الاتفاقيات الدولية ومنها الهجرة والإقامة والتنقل واتفاقيات أخرى منها الشراكة بين الجزائر وأوروبا، اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا.
وشدد المتحدث إن لولا الذاكرة والأرشيف لكانت الجزائر استغنت عن فرنسا، فالجزائر دولة قوية بشراكاتها مع دول أوروبية عربية وأفريقية، وبحلفائها التقليديين مثل روسيا، ونحن نتعامل مع هذا البلد الند بالند، والجزائر ليست اليوم مستعمرة أفريقية سابقة.
فرنسا تنتقد قانون الجزائر لتجريم الاستعمار وتصفه بـ"العدائي"
ما قامت به فرنسا في الجزائر جرائم ضد الإنسانية، ولا نزال نعاني منها إلى اليوم، وهذا وحده كفيل باستمرار توتر العلاقات، خاصة بعد مصادقة البرلمان على قانون تجريم الاستعمار وتمريره أيضًا على مستوى مجلس الأمة، فالجزائر متمسكة بالحوار الجاد والتعامل بالندية وإيجاد حلول للأزمات بين البلدين.
الإعلامية حدة حزام لـ"سبوتنيك": "الإعلام الفرنسي يواصل استفزازه للجزائر مدعومًا من اليمين المتطرف".

قالت الإعلامية حدة حزام لوكالة "سبوتنيك"، إن زيارة واحدة لمسؤول فرنسي لا تكفي، وحتى الآن لم نفهم ما تحدث عنه الطرفان، وأقصد الوزير الفرنسي مع الرئيس الجزائري، فالإعلام الفرنسي لا يساعد على حل المشكلة، وقد شاهدنا أمس كيف استضافت بعض القنوات الفرنسية المؤرخ بنجامان ستورا، وعوض طرح أسئلة حول الملفات العالقة بين البلدين منها ملف الذاكرة والملفات الاقتصادية والسياسية، لم يتحدث الصحفي إلا عن قضية المدعو أمير ديزاد، وهو معروف أنه يستخدم من طرف اليمين الفرنسي لإبعاد أي تقارب بين البلدين.

وأضافت حزام: "أعتقد أن زيارة وزير الداخلية الفرنسي خطوة مهمة، لكنها تبقى غير كافية ما دام الرئيس الفرنسي لم يقم بخطوات واضحة لحل الأزمة، باعتباره المسؤول الأول عن كل التوتر الذي عاشته العلاقات بين البلدين".
برلماني جزائري لـ"سبوتنيك": فرنسا توهم الرأي العام أنها تخوض حربا مع الجزائر عنوانها حرية التعبير
برلماني جزائري لوكالة "سبوتنيك": "هذه الزيارة تقنية بحتة وتحضر لما بعدها".
قال البرلماني عن حزب جبهة التحرير الوطني علي ربيج لـ"سبوتنيك"، إن مخرجات الزيارة هي محاولة ونقطة بداية لعودة العلاقات التي كانت متوترة قبل سنتين، وهذه الزيارة نتيجة ضغط مارسته سيغولين روايال بعد عودتها من الجزائر، لأن الطرف الفرنسي كان السباق لخلق المشاكل، وماكرون التقط ما قالته روايال وجاء وزير الداخلية بدعوة من نظيره الجزائري.
النقطة الثانية، يضيف المتحدث، أن ما سيطر على الزيارة هو الحديث عن التنسيق الأمني بين البلدين، والملفات التي عولجت عندها طابع أمني بحت، منها مسألة المهاجرين وترحيل بعض الجزائريين، وهنا كأن الطرف الفرنسي يريد اختزال المشاكل بين البلدين في هذه الملفات، وهذا غير صحيح، ففيه امتعاضٌ وعدم رضا من الطرف الفرنسي من فقدان السوق الجزائرية وتلك المعاملة التفاضلية التي كانت تحظى بها الشركات الفرنسية، ويريدون العودة من باب التنسيق الأمني فقط، وكأنهم لا يريدون الاعتراف بكل الامتيازات التي كانت تقدمها الجزائر.
العفو عن صنصال... هل يكون بداية الصلح الدبلوماسي بين الجزائر وفرنسا؟
وأكد ربيج أن هذه الزيارة تقنية بامتياز لكنها تحضر لما بعدها، وهو الفعل السياسي واللقاءات التي ستكون من طرف رئاسي فرنسي، وربما ستحضر لعودة الدفء إلى العلاقات المتوترة بشكل خطير.
شخصيًا، يقول ربيج، أنا لا أعول على الزيارة أكثر مما أعول على ما بعدها، طبعًا اللقاء مع الرئيس كان فرصة لنقل الانشغالات، واللقاءات المباشرة لديها وقع وتأثير أكبر وستذيب الجليد بين البلدين، لأنه ليس من مصلحة البلدين قطع العلاقات، وهناك رغبة للإصلاح، وأظن أن الصدمة التي تسببت فيها، خاصة بالنسبة للاقتصاد، كانت امتحانًا لفرنسا كشفت مدى أهمية الجزائر وثقلها في العلاقات معها، وأظن أن المفاوضات القادمة ستكون وفق تصور جديد لمصلحة الجزائر.
مناقشة