وكانت وزارة الداخلية العراقية قد أعلنت أنها تسلّمت 5704 عناصر وصفتهم بـ"الإرهابيين"، ينتمون إلى 61 جنسية مختلفة، جرى نقلهم من السجون السورية إلى مراكز احتجاز داخل العراق بإشراف السلطات الأمريكية.
وأوضحت أن العملية تندرج ضمن ترتيبات أمنية تهدف إلى تجميع هؤلاء المعتقلين تمهيدا لمعالجة أوضاعهم القانونية.
وبحسب القائمة التي نشرتها وزارة الداخلية العراقية والتي اطلعت "سبوتنيك" عليها، وردت الجنسية التونسية في المرتبة الثالثة من حيث عدد المقاتلين الذين وقع استلامهم، بعدد بلغ 234 شخصا، وهو ما يعكس حجم الحضور التونسي السابق داخل التنظيمات المتشددة في سوريا والعراق، ويضع تونس مجددا أمام تحديات ثقيلة تتعلق بكيفية إدارة هذا الملف.
وبحسب القائمة التي نشرتها وزارة الداخلية العراقية والتي اطلعت "سبوتنيك" عليها، وردت الجنسية التونسية في المرتبة الثالثة من حيث عدد المقاتلين الذين وقع استلامهم، بعدد بلغ 234 شخصا، وهو ما يعكس حجم الحضور التونسي السابق داخل التنظيمات المتشددة في سوريا والعراق، ويضع تونس مجددا أمام تحديات ثقيلة تتعلق بكيفية إدارة هذا الملف.
ووصف رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني نقل معتقلي تنظيم "داعش" الإرهابي إلى السجون العراقية بأنه "إجراء مؤقت"، ودعا الدول المعنية إلى استعادة رعاياها ومحاكمتهم في بلدانهم الأصلية.
وأكد أن هذه الخطوة تهدف إلى "الحفاظ على الأمن الوطني والأمن الإقليمي"، ومنع عودة النشاط الإرهابي.
وفتح هذا التطور في تونس الباب أمام نقاش داخلي حول مسؤولية الدولة في التعاطي مع أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدا منذ 2011، وأعاد طرح أسئلة ملحّة حول المقاربة المفترضة للتعامل مع العائدين أو الموقوفين بالخارج، بين خيار المحاسبة القضائية الصارمة، ومتطلبات إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي، في ملف يتقاطع فيه الأمن مع حقوق الإنسان، ويظل مفتوحا على نقاشات سياسية ومجتمعية واسعة.
خطوة سابقة لأوانها
ويرى الباحث المختص في الجماعات المتطرفة والإرهاب الدكتور علية العلاني أن استقبال تونس للدواعش الموجودين حاليا في السجون العراقية يعد "خطوة سابقة لأوانها" في ظل غياب التحضير الجدي داخل تونس منذ سنة 2011، للتعامل مع هذا الملف المعقّد، محذّرا من أن الاستعجال في هذا الملف قد تكون له تداعيات وخيمة.
ويرى الباحث المختص في الجماعات المتطرفة والإرهاب الدكتور علية العلاني أن استقبال تونس للدواعش الموجودين حاليا في السجون العراقية يعد "خطوة سابقة لأوانها" في ظل غياب التحضير الجدي داخل تونس منذ سنة 2011، للتعامل مع هذا الملف المعقّد، محذّرا من أن الاستعجال في هذا الملف قد تكون له تداعيات وخيمة.
وفي حديثه لـ"سبوتنيك"، شدد العلاني على أن استرجاع 234 داعشيا تونسيا، إضافة إلى مئات النساء والأطفال، لا يمكن أن يتم بشكل فجائي أو متسرّع، موضحا أن "العديد من هؤلاء ليست لديهم أي وثائق رسمية، لا عقود زواج ولا حتى شهادات ولادة للأبناء، وهو إشكال قانوني وإنساني كبير يتطلب معالجة دقيقة".
وأشار الباحث إلى وجود تباينات واضحة بين الدول في التعاطي مع ملف مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي.
فبريطانيا على سبيل المثال، امتنعت عن استقبال إحدى المقاتلات البارزات واكتفت باسترجاع طفلتها، في حين أعلن رئيس وزراء أستراليا رفض بلاده المطلق لاستقبال أي مقاتلين أو أفراد من عائلاتهم.
أما فرنسا، فقد اختارت، وفق العلاني، مسارا مختلفا عبر بحث إمكانية محاكمة المقاتلين في العراق بدل إعادتهم إلى الأراضي الفرنسية.
ويعلق الباحث بالقول: "هذه دول تمتلك إمكانيات مالية وأمنية كبرى، ومع ذلك اختارت عدم الاسترجاع أو تقليصه إلى أدنى حد".
وبالعودة إلى الحالة التونسية، يؤكد العلاني أن البلاد "غير قادرة في وضعها الحالي على استقبال هؤلاء المقاتلين"، محذرّا من أن إيداعهم في سجون الحقِّ العام قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها توسع شبكات الاستقطاب والتجنيد داخل المؤسسات السجنية.
وشدد على ضرورة إحداث سجون خاصة ببنية تحتية ملائمة، وهو ما يتطلب "أموالا طائلة وتجهيزات خاصة إضافة إلى طواقم أمنية واستخباراتية مدرّبة".
وشدد على ضرورة إحداث سجون خاصة ببنية تحتية ملائمة، وهو ما يتطلب "أموالا طائلة وتجهيزات خاصة إضافة إلى طواقم أمنية واستخباراتية مدرّبة".
ولا يتوقف التعقيد عند الجانب السجني فقط، إذ يرى العلاني أن أي مقاربة جادة تستوجب اعتماد برامج تأهيل شاملة، تقوم على لجان متعددة الاختصاصات تضم رجال دين، وقانون، وعلماء اجتماع، وعلم نفس، وخبراء في علم الإجرام.
وأوضح العلاني أنه اقترح في أحد مؤلفاته أن تتولى هذه اللجان إعداد تقارير فردية تُعرض على "قاضي التأهيل"، الذي يحدد ما إذا كان المعني قد تخلّى فعليا عن أفكاره المتطرفة، على أن يُمنح من يثبت تأهيله إمكانية قضاء نصف العقوبة السجنية فقط.
ويعتبر العلاني أن هذه العملية، في حال اعتمادها، ستستغرق سنوات طويلة، وتتطلب ميزانيات تُقدّر بمئات ملايين الدولارات، وهو ما يجعلها، بالنسبة إلى تونس في ظل أوضاعها الاقتصادية الراهنة، "مسألة بالغة الصعوبة".
هل تمتلك تونس خيار الرفض؟
ويرى الباحث المختص في الجماعات المتطرفة والإرهاب د. علية العلاني، أن خيار رفض استرجاع المقاتلين التونسيين من العراق يظل ممكنا، مستندا في ذلك إلى تجارب دول أخرى.
ويرى الباحث المختص في الجماعات المتطرفة والإرهاب د. علية العلاني، أن خيار رفض استرجاع المقاتلين التونسيين من العراق يظل ممكنا، مستندا في ذلك إلى تجارب دول أخرى.
ويشير إلى أن دولا مثل فرنسا تمكنت من إقناع السلطات العراقية بمحاكمة عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي داخل العراق بدل إعادتهم، في حين أعلنت أستراليا رفضها استقبال أي من مقاتلي التنظيم أو أفراد عائلاتهم.
ويؤكد العلاني أن "المسألة ممكنة أيضا بالنسبة إلى تونس، على أن يكون هذا الرفض "مؤقتا" وليس نهائيا.
وفي تفسيره لأسباب نقل هؤلاء المعتقلين من سوريا إلى العراق، أوضح العلاني أن المقاتلين كانوا محتجزين في سوريا تحت حراسة الفصائل المسلحة، وخاصة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، معتبرًا أن "قسد لا يمكن لها أن تتحاور مع الدول"، وهو ما يجعل التعامل المباشر معها معقدا.
وأضاف أن الأوضاع الأمنية في سوريا "صعبة للغاية"، في ظل ما تعيشه البلاد من تحديات أمنية كبرى، إلى جانب القصف الإسرائيلي المتواصل على بعض المناطق، وهو ما قد يفتح، بحسب تقديره، سيناريوهات خطيرة.
ولفت العلاني إلى أن هذه الظروف قد تؤدي إلى فرار عناصر التنظيم "إما خلال عمليات القصف أو نتيجة صراعات داخلية بين الفصائل". وذكّر في هذا السياق بما حدث بعد مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي سنة 2019، حين خرج المئات من الدواعش واتجهوا إلى غرب إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي.
وبناء على ذلك، اعتبر العلاني أن نقل هؤلاء المقاتلين إلى العراق "قد يكون الحل الأقل سلبية والأقل خطورة"، مبرزا أن العراق يمتلك "خبرة كبيرة في التعامل مع الدواعش اكتسبها خلال الحرب التي خاضها ضد التنظيم منذ سنة 2014 إلى غاية تفكك قيادته".
كما أشار إلى احتمال أن تلجأ الحكومة العراقية، في صورة رفض بعض الدول استرجاع رعاياها، إلى محاكمتهم داخل السجون العراقية، وهو ما "قد يحل المشكل بطريقة أو بأخرى".
كما أشار إلى احتمال أن تلجأ الحكومة العراقية، في صورة رفض بعض الدول استرجاع رعاياها، إلى محاكمتهم داخل السجون العراقية، وهو ما "قد يحل المشكل بطريقة أو بأخرى".
غير أن الباحث شدد في المقابل على صعوبة التنبؤ بمآلات هذا الملف، معتبرًا أن المنطقة ما تزال تعيش "حالة مخاض كبيرة"، في ظل التوترات الإقليمية القائمة، وعدم وضوح تداعيات أي تطورات محتملة، من بينها إمكانية توجيه ضربة إلى إيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
"أطفال الدواعش"... ملف مهمل
وفي تصريح لـ"سبوتنيك"، أكد رئيس جمعية إنقاذ التونسيين بالخارج محمد إقبال بالرجب، أن الرقم الذي أعلنت عنه السلطات العراقية يتعلق فقط بالتونسيين الذين نقلوا من السجون السورية إلى العراق في الفترة الأخيرة، دون احتساب النساء والأطفال أو بقية المقاتلين الذين ما زالوا يقبعون في سجون سوريا.
وتوقع بالرجب أن عددهم تضاءل نتيجة مقتل عدد مهم منهم إما خلال القتال أو داخل السجون.
وأكد رئيس الجمعية أن القوائم المعلنة لا تشمل النساء والأطفال الذين ما يزالون داخل المخيمات السورية، وخاصة مخيمي الهول والروج، مشيرا إلى أن بعضهم تمكّن من الفرار نحو تركيا باستعمال هويات سورية.
وأكد رئيس الجمعية أن القوائم المعلنة لا تشمل النساء والأطفال الذين ما يزالون داخل المخيمات السورية، وخاصة مخيمي الهول والروج، مشيرا إلى أن بعضهم تمكّن من الفرار نحو تركيا باستعمال هويات سورية.
وكشف في هذا السياق، أن الجمعية أحصت إلى حد اليوم وجود 120 امرأة تونسية، و153 طفلا من أبناء مقاتلي التنظيم.
وتابع بالرجب قائلا: "سبق أن نبّهت الجمعية السلطات التونسية إلى وضعية الأطفال، وطالبت منذ سنوات بإيلائها الأولوية القصوى، خاصة وأنهم يكبرون في بيئة خطرة وهم معرّضون للأفكار المتشددة".
وانتقد ما وصفه بـ"تراخي" السلطات في التعاطي مع هذا الملف الحساس، لاسيما في ما يتعلق بالنساء، معتبرا أن غياب مرجعية قانونية واضحة للتعامل معهن يزيد من تعقيد الوضع، على عكس الأطفال.
كما شدد على أن الدولة التونسية "لا تملك أي رقم رسمي" بخصوص عائلات المقاتلين التونسيين في بؤر التوتر، خاصة في شمال شرق سوريا.
وفي تعليقه على تصريح وزيرة المرأة حول إعادة 50 طفلا إلى تونس، أوضح بالرجب أن ما قامت به الدولة "اقتصر على الإجراءات الإدارية فقط، ولم يكن عملية إنقاذ فعلية"، داعيا السلطات إلى التحرك.
وأضاف: "نحن نتفهم حالة البرود السياسي في العلاقة بين تونس وسوريا، لكن هناك أطفال تونسيين، ذنبهم الوحيد أنهم أبناء مقاتلي داعش".
ولفت إلى تصريح لمسؤول كردي أفاد بوجود قرابة 100 امرأة و200 طفل تونسي في المخيمات، معتبرا أنه في حال نقلهم إلى العراق "ستتحرك الدولة التونسية على الأرجح، بحكم أن العلاقة بين تونس والعراق جيدة وممتازة، خلافا للعلاقة التونسية السورية".
وأشار بالرجب إلى أن الجمعية حاولت التواصل مع السلطات الكردية المحلية، لكنها رفضت التعامل مع المجتمع المدني، مضيفا: "أهم ما نتمناه من الدولة التونسية هو القيام بدورها الإنساني في إعادتهم".
ورغم إقراره بوجود مخاوف أمنية، اعتبر أن "تركهم في الخلاء والضياع يمثل هو الآخر مصدر خطر"، محذرا من إمكانية تكرار سيناريوهات سابقة، على غرار عملية بن قردان.
وبخصوص عودة المقاتلين التونسيين من سجون العراق، أقرّ رئيس الجمعية بوجود تحديات كبيرة، خاصة في ظل اكتظاظ السجون، معتبرا أن المقاربة السجنية وحدها "غير كافية".
وبخصوص عودة المقاتلين التونسيين من سجون العراق، أقرّ رئيس الجمعية بوجود تحديات كبيرة، خاصة في ظل اكتظاظ السجون، معتبرا أن المقاربة السجنية وحدها "غير كافية".
ودعا إلى اعتماد برامج تأهيل وإعادة إدماج، مشيرًا إلى تجارب كل من المغرب والمملكة العربية السعودية في هذا المجال.