المسحراتي في العراق.. صوت الفجر بين عبق الماضي وتحولات الحاضر

مع حلول شهر رمضان المبارك، تستعيد المدن العراقية واحدة من أقدم طقوسها الشعبية وأكثرها التصاقا بالذاكرة الجماعية، حيث يجوب "المسحراتي" الأزقة قبيل الفجر، حاملا طبله لإيقاظ الناس على موعد السحور.
Sputnik
هذه المهنة التي تعود جذورها إلى عقود طويلة، لم تكن مجرد وسيلة للتنبيه إلى وقت السحور، بل تحولت إلى رمز رمضاني يعكس روح التكافل والحميمية في الأحياء الشعبية.
في بغداد ومدن أخرى، ما زال صوت طبل "المسحراتي" يوقظ الحنين قبل أن يوقظ النائمين، ليؤكد أن بعض الطقوس، رغم تغير الأزمنة، تبقى ثابتة في وجدان العراقيين، تتوارثها الأجيال وتحافظ عليها باعتبارها جزءا من الهوية الرمضانية الأصيلة.
"المسحراتي" إرث عائلي
رغم تغير أنماط الحياة، ما تزال مهنة المسحراتي حاضرة في بعض أحياء بغداد، يحافظ عليها أبناؤها باعتبارها جزءا من الهوية الدينية والاجتماعية.

وقال المسحراتي عبد الله حسين، في حديث لـ "سبوتنيك"، إنه "تعلم هذه المهنة من أجداده، ويمارسها منذ نحو خمس سنوات، فيما يمتد تاريخ عائلته في هذا المجال إلى سنوات طويلة".

وأوضح أن "أفراد عائلته لا يتقاضون أجرا ماليا لقاء عملهم، باعتبار أن هذه المهنة مرتبطة بقيم دينية ولها أجر معنوي"، مؤكدا أن "الهدف منها إحياء سنة رمضانية وإدخال الفرح إلى قلوب الأهالي".
المسحراتي في العراق.. صوت الفجر بين عبق الماضي وتحولات الحاضر

طقس رمضاني يتكرر كل عام

ويقول علي السلطاني، وهو أحد سكان العاصمة، لوكالة "سبوتنيك": "الأجواء الرمضانية هذا العام جميلة جدا، فالفرحة تعم الأحياء الشعبية عند وصول "المسحراتي"، خاصة بين الأطفال الذين يتجمعون حوله في مشهد يعكس روح الشهر الفضيل".
وأضاف: "هذه المهنة ما تزال تتوارث من الآباء إلى الأبناء، ما يمنحها بعدا تراثيا واجتماعيا متجذرا في المجتمع البغدادي".
بينما يرى المواطن أحمد شاكر، أن "الأجواء الرمضانية في العاصمة ترتبط بطقوس ثابتة تتكرر كل عام، حيث تشهد الشوارع حركة لافتة قبيل السحور، حيث يخرج الناس للاستمتاع بالأجواء التي تميز هذا الشهر عن غيره من شهور السنة".
المسحراتي في العراق.. صوت الفجر بين عبق الماضي وتحولات الحاضر

ويقول المواطن عبد الله عماد، لـ "سبوتنيك"، إنه "يحب هذه الأجواء كثيرا، ورغم توقيتها المبكر، إلا أنها تضفي جمالا خاصا على ليالي رمضان، حيث يخرج الأطفال إلى الشوارع بفرح واضح، في مشهد يعكس بساطة الطقوس الشعبية وعمق ارتباطها بوجدان المجتمع البغدادي".

رغم حضور "المسحراتي" العريق في الذاكرة العراقية، إلا أن هذه الظاهرة شهدت تحولات لافتة خلال السنوات الأخيرة، بحسب المواطنين، فمع تسارع وتيرة الحياة وتطور وسائل التنبيه الحديثة، تغيّرت ملامح المهنة من حيث الأسلوب والغاية.
المسحراتي في العراق.. صوت الفجر بين عبق الماضي وتحولات الحاضر
لم يعد الاعتماد على الطبل والصوت التقليدي وحدهما كما في السابق، بل دخلت مكبرات الصوت والأناشيد المسجلة إلى المشهد، ما غيّر النغمة التي اعتادها الناس جيلا بعد جيل.
كما تبدل الهدف لدى بعض الممارسين، فبعد أن كانت المهمة تؤدى بدافع ديني واجتماعي خالص، أصبحت في بعض المناطق مرتبطة بمردود مادي أو بطابع احتفالي أكثر منه شعائري، وبين من يرى في هذا التطور انسجاما مع متطلبات العصر، ومن يحنّ إلى بساطة الماضي وروح التكافل القديمة، يبقى المسحراتي واحدا من أبرز رموز رمضان في العراق، وإن اختلفت ملامحه مع تغير الزمن.
مناقشة